الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٢٠٤الإباضية وتحديد معالم أفكارها وآرائها، ولعل أهم شيء جعل الإمام جابر يميل نحو جماعة أبي بلال موقف هؤلاء من الأوضاع السائدة آنذاك؛ حيث يرون أن القتال بين أتباع العقيدة الإسلامية أمر لا يقبله العقل ولا الدين، وما لبث الإمام جابر أن أصبح رئيس الجماعة والمؤسس الحقيقي للحركة، نظراً لفضله وعلمه، وتتلمذ عبد الله بن إباض على جابر بن زيد، وأخذ عنه الكثير. واتَّخَذَ جابر طريق السرية والكتمان في نشر الدعوة، وحظي بمكانة عالية وثقة واسعة في مجتمع البَصْرَة، بفضل ثقله العلمي وموقفه الاعتدالي، والحقيقة أن هذا النهج الاعتدالي والسِّرِّي هو الذي مكن هذه الفرقة من الاستمرار والبقاء؛ حيث بقيت إلى يومنا هذا. وتذكر المصادر أنَّ جابراً كان يشترك مع الخوارج المتطرفين في مناقشات سياسية، وكان عبد الله بن إياض - من قبله - ينتهج الأسلوب نفسه في سياسة اللين مع الخليفة الأموي عبد الملك عن طريق المراسلات … وقد سجل التاريخ رسالتين لعبد الله بن إباض تدل على العلاقة الودية بينهما، كما كان عبد الله بن إياض صاحب مناظرات كلامية مع
الخوارج.
(1)
الإباضيون والخوارج: نقاط الاختلاف والاتفاق:
في الواقع؛ يُخالف الإباضيون الخوارج في أهم القضايا الفقهية الحساسة المميزة للخوارج؛ وهي استباحة دماء المخالفين، فعلى عكس الخوارج؛ يُحرم الإباضيون قَتْلَ الموحدين، واستحلال دمائهم، ويُحرمون استعراض الناس وامتحانهم الذي كان يقوم به متطرفو الخوارج كالأزارقة والنجدية، كما لم يحكموا على مرتكب الكبيرة بالشرك والكفر، بل وَصَموه بكفران النعمة، وكان عبد الله بن إباض شديد الإنكار للآراء المتطرفة التي كان يُنادي بها نافع بن الأزرق"، وكان يُعلن بطلاتها بصراحة تامة، ويُحذر الناس منها، ولذا؛ نجد الإباضية اليوم يرفضون - بشدة - اعتبارهم من الخوارج.
ولكن؛ من الجهة الأخرى فهم الفرقة الوحيدة من المسلمين الباقية إلى اليوم، والتي تتفق مع الخوارج القدماء في عدد من القضايا؛ مثل رفض التحكيم الذي وقع بين جيش علي ومعاوية، والبراءة من عثمان، ويقولون فيه قولاً شديداً، والبراءة من علي له بعد قبوله
(1) ملخص من المصدر السابق: ص 3
48.33
206