الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٢٤٥أسباب انشقاق الشيعة، ولكنه لا يُفصح عن بقاء التشيع مذهباً إلى يوم الناس هذا، بمعنى أن يُصر فريق من المسلمين أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قد نص على علي صراحة، وأنه كان أحق بالخلافة من أبي بكر، ويتَّخذون ذلك لهم مذهباً ونحلة.
ومن ناحية أخرى؛ لن يحل الإشكال تحري صحة الأحاديث حول الاستخلاف، فإِنَّكَ إِنْ كُنتَ سنيا فستُنكر أنَّ النبي قد نص على علي نصاً جلياً أو خفياً، وإِن كُنتَ شيعياً فستسوق الأحاديث والوقائع التاريخية الدالة على إمامته وأفضليته، وإنَّه من المعلوم أنَّه إنْ ارتبطت أخبار أو أحداث تاريخية بعقائد مُعيَّنة، فإنَّ هذه الأخبار أو الأحداث تُصبح تابعة للعقائد، بمعنى أني أؤمن بالحديث والحادثة إن كانت تتسق مع عقيدتي، وأنفيها إن كانت تعارضها)، أريد - بذلك ـ أن أتجنَّب الخوض في الأحاديث المتعلقة بالموضوع، وليست القضية المطروحة: هل نص النَّبيُّ أم لم ينص على من بعده؟ هل استخلف أم لم يستخلف؟ وإنما القضيَّة هي: ما هي العوامل التي جعلت من موضوع الاستخلاف مشكلة قائمة إلى اليوم؟ وكيف يختلف الناس حول أبي بكر وعلي، وقد انقضى أمرهما منذ ما يقرب من أربع عشر قرناً؟ ولو أنَّ الأمر كان خلافاً متعلقاً بشخصيهما حول خلافة الرسول لانتهى الأمر بوفاتهما؛ إذْ تنقضي النواحي الشخصية بانقضاء الأشخاص، ولكن لابد أن يكون في الأمر ما هو أبعد وأعمق من المسائل الشخصيَّة؛ لأنَّه لا تسمو على عامل الزمن، ولا تتجاوز أحكامه إلا القيم والمبادئ والعقائد، أما الأشخاص؛ فَقَانُون، وقد تجاوزت عامل الزمان أحقية علي بالإمامة لفريق من المسلمين إلى يوم الناس هذا، فلابد - إذن - أَنْ يُمثل علي - بالنسبة للشيعة - قيمة مُعيَّنة تتجاوز، شخصه، أو مُجرد أحقيته في الخلافة. لابد - إذاً - أن نتجاوز - ولو مؤقتاً - شخصية أبي بكر وعلي للتحري عما يُمثله كُلِّ منهما بالنسبة لفرقته. فإذا تجاوزنا شخص الإمام إلى مفهوم الإمامة لدى كل فريق، فسنجد أن أهل السنة يرون أن خليفة رسول الله إنَّما يخلفه في سلطته الزمنيَّة دون الروحيَّةُ، مع اعتبار تَعَدرِ الفَصْل التام بين السلطتين في الفكر الإسلامي.
(1) وشبيه بذلك صلب المسيح؛ لا يمكن حَسْمُهُ تاريخياً بعد أن تعلق بعقيدة: يؤمن بالصلب كل مسيحي، وينفيه كُل مسلم: إنه موضوع عقيدة، لا تاريخ.
247