الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات سعد رستم

الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات

الجزء ١ · صفحة ٢٤٦

في أول خطبة لأبي بكر بعد مبايعته خليفة، صرح بأن لا يطلب الناس منه ما كانوا يطلبونه من رسول الله الذي عصمه الله بالوحي، وأيَّده به، وإنَّما هُو يُخطئ، ويُصيب، وعليهم إن أخطأ أن يقوموه (1).

أما الشيعة؛ فيُؤمنون أنَّ الإمامة إرث الأنبياء، وأنَّ الإمام بمنزلة النّبي في كُلِّ شيء؛ باستثناء الوحي والكتاب.

أصبح أبو بكر يمثل - لدى أهل السنة - قيمة متعلقة بمفهوم الخلافة؛ وهي أنَّ الخليفة يرث سلطان النبي الزمني دون الروحي، وأصبح علي يُمثل ـ لدى الشيعة - قيمة متعلقة بمفهوم الإمامة؛ وهي السلطة الزمنية، وأن تبقى له سلطته الروحية التي يستمدها من الله بموجب النَّص، لا من البشر، بموجب الاختيار.

وانعكس الخلاف حول مفهوم الخلافة أو الإمامة على تقييم سلطة الرسول السياسية، هل كانت أحكامه السياسية عن وحي يوحى أم كانت أحكاماً اجتهادية؟ فإن كانت الرأي الأول فلم أمره الله أن يُشاور المسلمين في الأمر؟ وإن كانت أحكامه اجتهادية فأي عصمة من الله بذلك؟ وهل كانت إقامته للدولة في المدينة جزءاً مما بَعثه الله به أم كانت ممارسته لشؤون الحكم وسيلة لنشر الدعوة وإبلاغ الرسالة؟ هل كانت السياسة من الرسول عليه الصلاة والسلام غاية في ذاتها أم كانت وسيلة لغاية أنبل وأشرف هي إقامة الدين؟ ذهب الشيعة إلى الرآي الأول؛ إذْ ترقى السياسة إلى مستوى العقيدة؛ لأنَّ الإمامة من أُصول الدين، فتدبير شؤون الدين الحكيم من صميم، سلطته كرسول، لا تفاوت بين تدبير أمر الرعية وبين الدعوة الدينية، وليست أحكام الطهارة ونواقض الوُضُوء - وقد ذكَرَهَا الرسول تفصيلاً - بأكثر أهمية

(1) ونص خطبته: «أيها الناس؛ قد وليتُ عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فاعينوني، وإن أسات فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي، حتى آخذ له حقه، والقوي عندي ضعيف، حتى أخذ منه الحق، إن شاء الله تعالى، لا يدع أحد منكم الجهاد، فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم، يرحمكم الله» انظر: ابن قتيبة (أبو محمد عبد الله بن مسلم): الإمامة والسياسة /1/ 27 - 28، وابن الأثير الجزري في: الكامل في التاريخ، ج 2.

248