الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٢٤٧من رعاية مصالح العباد وتنظيم أحوال النّاس، إنه إذا كانت تفصيلات أحكام الشريعة كحلاقة الشعر في الحج وغيرهما من صغار الأمور قد نص عليها الرسول، فكيف لا ينص على أمر خطير كالإمامة من بعده
(1)
أما أهل السنة، فقد فرقوا بين أحكام الدين وأحكام السياسة، ومالوا إلى اعتبار الرسول مجتهداً في الشؤون السياسية، وكُل ما يتصل بسلطته الزمنية، يقول ابن القيم: السياسة ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول، ولا نَزَلَ به وحي، ومن قال لا سياسة إلا بما نطق به الشرع فقد غلط، وغلط الصحابة (2).
على أنه من الخطأ تصور موقف أهل السنة فصلاً بين السياسة والدين، وإِنَّما هُو مُجرد تفرقة بين شرع مصدره الكتاب والسنة وسياسة قائمة على الاجتهاد، الذي هو بدوره. مصدر من مصادر التشريع في الإسلام، ولم يُعرف الفصل التام بين السياسة والدين إلا بعد سقوط الخلافة العثمانية وبتأثير من الفكر السياسي الأوروبي
(3)
ولقد نقب كُلُّ من الشيعة والسنة عن أدلة من القرآن الكريم ومن سيرة الرسول يدعم بها كل منهما رأيه، أما أدلة الشيعة، فقول الله: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) الأنعام 57، وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلاً مُّبِينًا) الأحزاب / 36، يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) الحجرات/ 1، ويُدرج الشيعة أُمور السياسة ضمن هذه المسائل، التي لا يصح تقديم الرأي فيها على أمر الله ورسوله.
؛
أما أهل السنة؛ فقد استندوا إلى قوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) - آل عمران/ 159، وحين سأل علي النبي قائلاً: الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه القرآن، ولم يمض فيه منك سنة؟ قال الرسول: اجمعوا العالمين من المؤمنين، فاجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه
(1) المظفري: الشيعة والإمامة: ص 160.
(2) ابن القيم الجوزية: الطرف الحكمية في السياسة الشرعية: ص 7.
(3) وليست دراسة كل من علي عبد الرزاق وطه حسين تقييماً موضوعياً لطبيعة سلطة النبي الزمنية، وإنما هي
انطلاق من مفهوم الغرب للسياسة.
249