الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات سعد رستم

الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات

الجزء ١ · صفحة ٢٤٩

3 - إذا كانت نظريات فلسفة السياسة تبحث في أصلح نظام في الحكم فإن إجابة الشيعة:

2

إنَّها التيوقراطية، أو الحكم الإلهي، وإجابة أهل السنة - مع شيء من التجاوز، ويصرف النظر عن التاريخ السياسي للإسلام: إنَّها الديمقراطية.

عود إلى البدء إلى السؤال: ما معنى أن يدين قوم بموالاة علي، ويتخذون أحقيته بإمامة المسلمين بعد وفاة الرسول لهم مذهباً ونحلة؟ الإجابة باختصار: المشكلة لها ظاهر وباطن: ظاهرها اختلاف حول الأحق أبي بكر أم علي، أما باطنها وحقيقتها وجوهرها؛ فهو اختلاف بين من يرون الثيوقراطية أصلح أنظمة الحكم؛ حيث يُصبح الأمر اصطفاء من الله لا اختياراً من البشر، وبين من يرون السياسة من أحكام البشر، تجسدت الفكرة الأولى في علي، وتمثلت الفكرة الثانية بأبي بكر، ولما كانت المبادئ أسمى من مستوى تفكير الجماهير كان لابد من أن تتجسد في أشخاص، فشخص الشيعة مثلهم الأعلى في نظام الحكم، في علي، أو بالأحرى، تجسدت الثيوقراطية في علي، بينما عبر أهل السُّنَّة عن بَشَرِيَّة الأحكام السياسية فيمَنْ أعلن أنَّه يُخطئ ويُصيب، والمرجع إلى الرعية ـ أو على الأصح - أهل الحل والعقد، لرده إلى الصواب حين يُخطئ، وذلك هو الصديق أبو بكر.

(1)

ليس خلاف السنة والشيعة مُجرَّد اختلاف حول أحقية أبي بكر أو علي، بقدر ما هو اختلاف في أصلح نظام للحكم؛ حيثُ جَعَلَهَا أهل السنة الشورى ممثلة في أبي بكر، وجَعَلَهَا الشيعة الشيوقراطية أو الحكم الإلهي مُمثَلاً في علي مرة أخرى؛ ظهور الفكر السياسي في بيئة دينيَّة هو الذي جَعَلَ من الأحزاب السياسية فرقاً دينية، كما جعل من النظريات والإيديولوجيات نحلاً ومُعتقدات …

والنظام الأمثل للحكم الذي مارسه الرسول في المدينة بوصفه رئيساً للدولة الإسلامية أثار لدى فريق لدى المسلمين تصور إمكان استمراره، خاصة بعد أن فُجع المسلمون بالفتن التي بلغت ذروتها بتغلب الذين لم يدخلوا الإسلام إلاكرها بعد الفتح، فلحقتهم وصمة «الطلقاء»، لقد اعتلى منبر الرسول من كانوا حتى يوم الفتح خصومه وأعداءه، كما بلغت

المآسي الذروة بمقتل سبط الرسول في كربلاء.

(1) ومن ثم؛ فإنَّ مكانة علي لدى الشيعة تسمو لدى مكانة أبي بكر لدى السنة.

251