الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٢٦مجمله على ما رأوه سوء تطبيق لذلك المبدأ؛ حيث لا أهل الشورى كانوا جميعاً حاضرين ولا الشورى أدَّت في نظرهم - إلى انتخاب صاحب الاستحقاق الشرعي والمنطقي الخلافة النبي، وأولى الناس بميراثه؛ أي الإمام علي بن أبي طالب، الذي كان ـ كما يراه محبوه وأنصاره والمائلون إليه - الشخص الوحيد الذي يمتلك - بأعلى جدارة - كُلِّ الصفات الثلاثة المذكورة أعلاه، المطلوبة في القائد، أو على الأقل، السبيين الأوليين منهما.
وقد نقل عن علي ما يُفيد إقراره لمبدأ الشورى والبيعة طريقاً لتعيين الحاكم الشرعي في رسالة من رسائله كتبها لمعاوية جاء فيها: [إِنَّهُ بَايَعَنِي الْقَوْمُ الذِينَ بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثمان عَلَى مَا بَايَعُوهُمْ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَخْتَارَ، وَلا لِلْغَائِبِ أَنْ يَرُدَّ، وَإِنَّمَا السُّورَى لِلْمُهاجرينَ وَالأَنْصَارِ، فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ، وَسَمَّوْهُ إِمَامَا، كَانَ ذَلِكَ لِلَّهِ رِضاً، فَإِنْ خَرَجَ عَنْ أَمْرِهِمْ خَارِجٌ بِطَعْنِ أَوْ بِدْعَةٍ رَدُّوهُ إِلَى مَا خَرَجَ مِنْهُ، فَإِنْ أَبِي قَاتَلُوهُ عَلَى اتَّبَاعَه غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، ووَلاهُ اللهُ مَا تولَّى … ] (1).
وإنَّما ذكرت ذلك لأبين أنَّ ما نشأ فيما بعد - من نظريات وعقائد حول طبيعة منصب الإمامة، وأنها هل تتم بالشورى أم هي منصب إلهي متمم للنبوة لا يُوكل تعيينه للناس، بل يختص الله - تعالى - بتعيين صاحبه واختياره، وغير ذلك من الآراء الفلسفية والعقائدية حول خصائص الإمام وصفاته وشروطه، إنَّما هي نظريات لاحقة، أخذت تتبلور بالتدريج
فيما بعد.
(1) نهج البلاغة: قسم رسائل أمير المؤمنين عليه السلام، كتاب رقم 6، ص 367.
27