الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٢٥٦وكذلك هي، لقد كانت شعاراً لآل البيت عليهم السلام، دفعاً للضرر عنهم، وعن
أتباعهم، وحقناً لدمائهم، واستصلاحاً لحال المسلمين، وجَمْعاً لكلمتهم، ولما الشعثهم. ومازالت سمة تُعرف بها الإمامية دون غيرها من الطوائف والأُمم، وكُلُّ إنسان إذا أحس بالخطر على نفسه أو ماله بسبب نشر معتقده أو التظاهر به لابد أن يتكلم ويتَّقى في مواضع الخطر. وهذا أمر تقضيه فطرة العُقُول، فمن المعلوم أنَّ الإمامية وأئمتهم لاقوا من ضُروب المحن وصنوف التضييق على حُريَّاتهم في جميع العُهود ما لم ثلاقه أي طائفة أو أُمة أخرى، فاضطروا في أكثر عُهودهم إلى استعمال التَّقيَّة بمكاتمة المخالفين لهم، وترك مظاهرتهم، وستر اعتقاداتهم وأعمالهم المختصة بهم عنهم، لما كان يُعاقب ذلك من الضرر في الدين والدنيا. ولهذا السبب امتازوا (بالتَّقيَّة) وعُرفوا بها دون سواهم.
والتَّقيَّة أحكام من حيث وجوبها وعدم وجوبها، وبحسب اختلاف مواقع خوف الضرر، مذكورة في أبوابها في كتب العلماء الفقهية.
وليست هي بواجبة على كل حال، بل قد يجوز أو يجب خلافها في بعض الأحوال، كما إذا كان في إظهار الحق والتظاهر به نُصرة للدين وخدمة للإسلام، وجهاد في سبيله، فإنَّه يستهان بالأموال، ولا تعز النفوس. وقد تحرم التَّقيَّة في الأعمال التي تستوجب قَتْلَ النُّفُوس المحترمة، أو رواجاً للباطل، أو إفساداً في الدين، أو ضرراً بالغاً على المسلمين بإضلالهم أو إفشاء الظلم والجور فيهم. وعلى كل حال؛ ليس معنى التَّقيَّة عند الإمامية أنها تجعل منهم جمعية سرية لغاية الهدم والتخريب، كما يُريد أن يُصورها بعض أعدائهم غير المتورعين في إدراك الأُمور على وجهها، ولا يكلفون أنفسهم فهم الرأي الصحيح عندنا، كما أنه ليس معناها أن تجعل الدين وأحكامه سراً من الأسرار لا يجوز أن يُذاع لمن لا يدين به، كيف وكتب الإمامية ومؤلَّفاتهم فيما يختص الفقه والأحكام ومباحث الكلام والمعتقدات قد ملأت الخافقين، وتجاوزت الحد الذي ينتظر من أية أُمَّةً تدين بدينها.
بلى، إن عقيدتنا في التَّقيَّة قد استغلها من أراد التشنيع على الإمامية، فجعلوها من جملة المطاعن فيهم، وكأَنَّهم كان لا يشفي غليلهم إلا أن تُقدَّم رقابهم إلى السيوف
258