الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات سعد رستم

الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات

الجزء ١ · صفحة ٢٦٣

طويلة من الزمن، إنَّما هو نسبة إليه، وليس في ذلك غضاضة، فالرجل له مكانة الخضوع والإجلال من قبلهم، وهو رئيسهم الأول من بعد انقضاء دور الأئمة الاثني عشر، غير أنَّ حقيقة التسمية (النصيرية) جاءت نسبة إلى المكان الذي عاش فيه العلويون، واتَّخَذوا منها دريئة وملجأ ضد الأعداء، ومُستقراً ومقاماً بعيداً عن الاضطهاد، وهو جبل النصيرة؛ فَنُسبوا إلى المكان، فلما زالت أسباب الاضطهاد، وعاودهم الاستقرار والأمان في ظل الاستقلال، استعادوا اسمهم الأصلي الذي به يعترونَ؛ وهو (العلويون) نسبة إلى أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.

(1)

وبقدر ما كان العلويون ضائقي الصدور بتسميتهم بالنصيريَّة كانوا سعداء كُلَّ السعادة باستعادة اسم العلويين"؛ فهم يرون أن إطلاق اسم "النصيريَّة عليهم لم يكن إلا بداعي العداوة المذهبية، كإطلاق اسم الروافض على الإمامية، واسم النواصب على السنة (2). فإذا عُدنا إلى تتبع مسيرة المذهب العلوي وجدنا رئاسة العلويين تنتقل بعد محمد بن نصير التميمي إلى عبد الله بن محمد الجنان الجنبلاني (235) - 287 هـ)، نسبة إلى بلدة "جنبلا في العراق العجمي، وكان ذا علم وفلسفة وزهد وتصوف. فأسس طريقة الجنبلانية، التي سعى من جانبه إلى إدخال كثير من الناس فيها؛ بحيث أصبحت صفة «الجنبلانية» تُعادل صفة «العلوية»، ومن هنا؛ غلبت الصوفية على المذهب العلوي، الذي أصبح منذ ذلك الحين يجمع بين ثلاث عقائد هامة هي التشيع والاعتزال والتصوف، صحيح أن بعض المؤرخين يذهبون إلى أنَّ فكرة التصوف نشأت قبل ذلك بفترة زمنية غير قصيرة، إلا أنَّ التصوف بمعناه الواسع ومعاناته ورياضته لم يظهر عند العلوية بشكل واضح قبل الجنبلاني، ثُمَّ ما لبس أن ازدادت جذوره عُمقاً عند المنتجب العاني" (330 - 400 هـ) و المكزون السنجاري (583 - 638 هـ) ومَنْ جاء بعدهم من زعماء العلويين.

وفي مدرسة الجنبلاني في "جنبلا" نشأ ونبغ مصري ذكي هو الحسين بن حمدان الخصيبي" (260 - 358 هـ)، الذي كان قد التقى بشيخه الجنبلاني حين زار مصر، و تعلق به

(1) إسلام بلا مذاهب: الدكتور مصطفى الشكعة، ط 8، القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 1991 م، ص 323. (2) انظر مقدمة الشيخ عبد الرحمن الخير على كتاب: تاريخ العلويين، ص 1.

265