الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات سعد رستم

الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات

الجزء ١ · صفحة ٢٦٤

تعلقاً شديداً، ودخل في طريقته، فلما عاد الجنبلاني إلى موطنه جنبلا تبعه تلميذه، ورحل في إثره، واستقر عند شيخه عبد الله، ولمع شأنه، وذاع صيته، وما إن تُوفي الشيخ سنة 287 هـ، حتى نهض الخصيبي بالعبء من بعده، وخَلَفَهُ في رئاسة العلويين، وتَرَكَ جنبلا، ورحل إلى بغداد، وبعد فترة من الزمن تركها متجهاً إلى حلب؛ حيث استقر فيها على مقربة من سيف الدولة الحمداني، ولعله استمدَّ بعض القُوَّة والسند من سيف الدولة الذي كان متشيعاً لآل البيت. وما من شك في أن الخصيبي قد لعب دوراً خطيراً في تثبيت الدعوة العلوية، وتكريسها، ورَفَضَ الاتحاد مع الإسماعيلية، وطوف في بلاد خراسان والديلم، وديار ربيعة وتغلب، ومن هنا؛ كان الخصيبي هو ألمع الرؤساء العلويين وأكثرهم أثراً في العقيدة، ساعده على ذلك عُمر مديد (260 - 358 هـ) وذكاء وقدرة على التأليف في المذهب وتطويره إيَّاه حتّى كان يُلقب بشيخ الدين، فقد خلَّف من الكتب: "الهداية الكبرى"، وأسماء النبي، وأسماء الأئمة، و"الإخوان"، والمائدة. غير أنَّ بعض مؤرخيه ذكروا أنَّه كان يقول بالتناسخ والحلول)، وكتاب الهداية الكبرى من الكتب النفيسة ذات الأثر العميق في الفكرة العلوية، التي هي في أصلها خالية من الغُلُو، وآية ذلك أنَّ السيد الخصيبي أهداه لسيف الدولة الحمداني الذي كان معروفاً بالاعتدال في تشيعه، ولو كان بالكتاب شُبهة عُلُو لكان سيف الدولة قد اعترض عليه، أما الكتب الأخرى؛ فإنَّنا نُرجّح أنَّ كثيراً من الأيدي قد لعبت فيها، وأضافت إليها، أو حذفت منها، الأمر الذي جعل جانب الغُلُوِّ يغلب عليها.

ومن الطريف أنه ألف ـ أيضاً ـ لعضد الدولة البويهي كتاباً بالفارسية أسماه «راست باش»

أي «كُن مستقيماً» ولذلك؛ فإنَّ العلويين كانوا يطلقون على عضد الدولة «راست باش».

ولقد تناوب على رئاسة العلويين بعد السيد الخصيبي عدد من الرؤساء الذين لم يبلغوا شأوهن أو ينالوا شهرته على رفعة شأنهم، مثل السيد محمد بن علي الجلي"، والسيد أبي سعيد الميمون بن عبد القاسم الطبراني الملقب بشيخ الديانة العلوية، ورئيس الطريقة الجنبلاتية (ت بحدود 1015 م)، وكان مقره في اللاذقية (1) وإن كان مولده في مدينة طبريَّة سنة

(1) راجع لسان الميزان: 2/ 279، وتاريخ العلويين: 205 - 207، والأعلام مادة الخصيبي. (2) تاريخ العلويين: 209.

266