الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٢٨٠أواصر الدّعوة، وفَرَّقَتْ شَملَهَا مُلابسات الوقائع، وإرادات الأشخاص وتأويلاتهم، وكانت طوائفهم في البدء على مذهب أئمتهم في الأصول، ثُمَّ لما اختلفت الروايات عن الأئمة، وتمادى الزمان، اختارت كُلُّ طائفة. منهم طريقها.
وقد يكون من الصعب - لأسباب كثيرة. تتبع الصيغ المتباينة التي اضطلع بها النشاط الإسماعيلي الرامي إلى تحقيق نجاح سياسي مواكب للعقيدة المذهبية، بيد أنه من الجائز لم شعث هذا المسعى الوسيع في وقائع سبقت قيام الدولة الفاطمية الإسماعيلية، ثُمَّ واكبتها وتلتها، ومازالت إلى اليوم.
الخلفية السياسية للتشعب الإسماعيلي عن التيار الإمامي:
ليست خُطورة الانشقاق بين الاثني عشرية والإسماعيلية راجعة إلى مجرد الخلاف حول الإمامة بعد الصادق أو في حياته: هل هي في إسماعيل أم هي في أخيه مُوسَى؟ ذلك أَنَّ الاختلاف بين الطائفتين في العقائد ليس مجرد خلاف حول شخصين، أو إمامة أحد أخوين؛ لأنَّ من الخطأ نسبة الحركات إلى أشخاص دون إدراك الخلافات الجذرية وراء الأشخاص، وظهور طائفة الإسماعيلية يرجع - في الواقع - إلى عوامل كثيرة تتعدى كثيراً مجرد اتهام إسماعيل بشرب الخمر - كما في بعض الروايات - أو وفاته في حياة أبيه - كما في روايات أُخرى، ويبدو أنَّه لا يمكن الفصل بين ظهور طائفة الإسماعيلية وقيام الدولة العباسية التي قامت تحت ادعاء أحقية أهل البيت في الخلافة، ثُمَّ تمكّن أبناء العباس أن يستأثروا بالأمر دُون العلويين، وكان الصادق الذي عاصر هذا التحول الخطير - بكُلِّ ما يتضمنه من خيبة أمل كبرى للعلويين - يُحاول جاهداً الابتعاد عن التيارات السياسية، وأكاد أظن أن خيبة أمل العلويين بقيام الدولة العباسية لم تكن أقل صدمة عليهم من خيبة أملهم باعتلاء معاوية
الحكم من قبل، لأنَّ الأمر - حسبما يبدو - أنَّ العباسيين قد جنوا ثمرة كفاح العلويين.
ومن ناحية أخرى؛ فإنَّ الدعوة العباسية كانت تُنادي بالمساواة بين العرب والموالي في الوظائف والعطاء، والرجوع إلى الكتاب والسنة، ونشر العدل بين الناس، ولكنَّ ذلك المثل
الأعلى للعدالة والمساواة - الذي انتظره النّاس من العباسيين - قد أصبح وَهْماً من الأوهام
(1) محمد كامل حسين: طائفة الإسماعيلية، ص 14.
"
(1)
282