الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٢٨١فشراسة أبي جعفر المنصور وهارون الرشيد وجشعهم، وجور أولاد علي بن عيسى، وعبئهم بأموال المسلمين، يُذكرنا بزمن الحجاج وهشام بن عبد الملك ويُوسف بن عمر الثقفي)، وعم الاستياء أفراد الشعب بعد أن استفتح أبو عبد الله المعروف بالسفاح، وكذلك أبو جعفر المنصور المعروف بالدوانيقي، افتتحوا ملكهم بالإسراف في سفك الدماء على نحو لم يُعرَف من قبل، حتّى قال الشاعر:
ياليت جور بني موان عاد لنا ياليت عدل بني العباس في النار
بل إن دوائر أهل السنة - التي عُرفت بالاعتدال قد عبرت - بوضوح - عن عدم رضاها بحكم السفاح والمنصور، وما استهلاً به حكمهما من مظالم وإراقة دماء، فالإمام مالك بن أنس أفتى بأحقية مُحمَّد النَّفْس الزكيَّة شَرْعَاً في الخلافة بمقتضى العهد الذي كان بينه وبين العباسيين، كما كان يُكرر الإفتاء بأن ليس مستكره يمين، يُعرض - بذلك - ببيعة النّاس للمنصور العباسي التي تمت بالخوف والإكراه، بأنها لا اعتبار لها، مما كان يُشجع المترددين بسبب تلك البيعة على نبذها، والخروج مع مُحمَّد النَّفْس الزكية، الأمر الذي كلف الإمام مالك بن أنس الاعتقال من قبل الوالي العباسي على المدينة، وضُرب حَتَّى خُلعت كتفه، أما الإمام أبو حنيفة؛ فإنَّه رفض تولّي القضاء للمنصور، وأيَّد خُرُوج مُحمَّد النَّفْس الزكية وأخيه إبراهيم على المنصور، مما كلفه السجن الذي بقي فيه حتّى الوفاة.
أمَّا سُخط العلويين؛ فقد عبر عنه مُحمَّد النَّفْس الزكية بقوله: «لقد كنا نقمنا على بني أُمية ما نقمنا، فما بنو العباس إلا أقل خوفاً الله منهم، وإنَّ الحجة على بني العباس لأوجب
منها عليهم، ولقد كان للقوم أخلاق ومكارم وفضائل ليست لأبي جعفر المنصور» (3). كان قيام الدولة العباسية - إذن - نكبة على الشيعة، ولم يكن من اليسير أن يتحملوا كُلَّ ما تحملوه من مظالم الأمويين وطغيانهم، لتقوم - بعد ذلك - دعوة باسمهم، تنزع حقهم، ثُمَّ يمضون في صبرهم، مكتفين بما أعده الصادق ومَنْ سَبَقَهُ من أئمة، من إمامة روحية. كان التيار - إذن - جارفاً وأقوى لما تتحمله شخصيَّة الصادق وإمامته الروحية، وقد نُسب إلى
(1) فان فلوتن: السيادة العربيَّة والشيعة، والإسرائيليات: ص 132.
(2) المصدر السابق: ص 193.
283