الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٢٩٦أرسلان قرر البطش بالباطنية، فَقَبض على أبي طاهر، وقتله، واعتقل عدداً كبيراً منهم، واستصفى أموالهم، وقتل جماعة منهم، وأفلتت جماعةً، فتفرقت في البلاد، وحاول بعضهم الاستيلاء على عدد من القلاع المنيعة مثل شَيزَر وأفامية، فلم يفلحوا، وقَصَدَ قسم منهم دمشق يتزعمهم الداعي بهرام، وفيها "ظهير الدين طغتكين أتابك نجم الدين إيلغازي بن أرتق"، فأكرمهم اتقاء لشرهم، وسهل لهم وزيره طاهر بن سعد المزدقاني أمر التغلُّب على قلعة بانياس (الصبيبة) في الجولان سنة 520 هـ، وكان موقفاً لهم في دعوتهم، فاستفحل أمر بهرام، وأغار على جيرانه في وادي التيم، ولكنه قتل في إحدى المعارك سنة 522 هـ، وقام بالأمر بعده "إسماعيل العجمي". وبعد وفاة طغتكين (522 هـ) سعى ابنه تاج الملوك بوري إلى التخلص من نفوذهم في دمشق، فَقَتَلَ وزيره المزدقاني"، وتتبع أحداث دمشق مَنْ عَرَفَ من النزارية، فتفرق شملهم، وخشي إسماعيل العجمي المقيم في بانياس مغبة الأمر، فراسل الفرنجة، وسلَّمهم الحصن، ولجأ إليهم، ولم يلبث أن مات، ودفن هناك. وحاول بعض الفداوية النار لما حل بهم من تاج الملوك، فأخفقوا.
ومع ذلك؛ نجح النزارية في التسلل إلى بعض المواقع المنيعة في جبال الساحل (البهراء) من بلاد الشام، وأقاموا في قلاع شيدوها، أو استولوا عليها، وعُرفت باسم قلاع الدعوة أو بلاد الدعوة)، وهي: مصياف والرصافة والخوابي والقدموس والكهف والمنيقة والعليقة والقليعة، ويُضاف إليها ثلاث قلاع أُخرى لم تبق في أيديهم طويلاً، وأخذها الفرنجة منهم، وهي: المرقب وصافيتا والعريمة (ذكَرَهَا) وليم الصوري، وَذَكَرَ أَنَّها كانت في يد الحشيشية). وقد كان لبلاد الدعوة هذه وزن في توجيه مُجريات الحوادث في أثناء الحروب الصليبية في عهد الزنكيين والأيوبين والمماليك، إلى أن خضعت نهائيا لسلطة الممالك في زمن الملك الظاهر بيبرس. وقد نبغ من رؤسائها في هذه الحقبة راشد الدين سنان بن سليمان ابن محمد بن راشد البصري (528) - 588 هـ / 1134 - 1192 م)، وكانت ولادته بالبصرة، وقضى شطراً من حياته في الموت، ثُمَّ انتقل إلى الشام في أيَّام سُلطان نُور الدين محمود بن زنكي، وعاصر صلاح الدين الأيوبي، وكانت له معه وقائع وحوادث، ثُمَّ صالحه في أواخر أيامه، ومات قبل صلاح الدين بعام واحد، وكانت حاضرته قلعة الكهف، ودفن بها، وقد تمكّن نفوذه في
298