الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات سعد رستم

الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات

الجزء ١ · صفحة ٢٩٨

سبل الدعوة الإسماعيلية:

يجد الباحثون من الإسماعيلية وغيرهم صعوبة في الكشف عن حقائق هذه الدعوة السرية، ولا سيما في مراحلها الأولى. لقد أوجب نظام التقيَّة والمغالاة في السرية اتباع أساليب تتواءم مع الأفكار التي يحرص أصحاب الدعوة على كتمانها ومع عُقُول المستجدين والمستجيبين والأتباع، وأضاف منظمو الإسماعيلية الأوائل ودعاتهم إلى طرائق التَّقيَّة التي تبناها الشيعة نُظماً صارمة في اختيار الأنصار، ومَن يُتوسم ضمه إلى المذهب أو إلحاقه بتنظيمات الإسماعيلية السرية، وابتكروا لهذه الغاية أساليب ووسائل فعالة كانت تتفاوت وتتباين بتفاوت أحوال الدعوة وتَفَرُّعاتهم مناطق نشاطها والقائمين عليها. وجعلوا تنظيماتهم درجات ومراتب لا يُمكن تجاوزها أو الانتقال بالمريد من درجة إلى أخرى إلا بعد الاطمئنان والاختبار، وكان عبد الله بن ميمون يطلب من دعاته أن يُخاطبوا الناس على قدر عقولهم، وأن يكون خطابهم للمثقفين وللمتفقهين في الدين ولأصحاب الديانات الأخرى ولعوام الناس متناسباً مع قَدْر كُلَّ مَنْ هُم ومُستوى تفكيره، فكانوا يستهلون الدعوة بإثارة فضول مَن يرغبون في استمالته، وطرح بعض القضايا التي تبعث على التفكير والتأمل، وتثير التساؤل، ثم ينتقلون بمن يتوسمون فيهم الاستجابة تدريجياً، حتى يُصبح هؤلاء طوع أمرهم، وموضع ثقتهم، فيبسطون لهم أسرار الدعوة وأهدافها، وقد صنف عبد القادر البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق، كذلك الباقلاني والغزالي أسماء هذه المراحل على النحو التالي: التَّفرس، فالتأنيس، فالتشكيك، فالتعليق، فالربط، فالتدليس، فالتأسيس، ثُمَّ الميثاق والعهد، ثُمَّ الخلع والسلخ. وكان هذه الدرجات سبعاً في أوائل الدعوة، ولاسيما عند القرامطة، ثُمَّ صارت تسعة في عهد الفاطميين. وفي المصطلح الإسماعيلي يُصبح المريد مستجيباً إذا أخذ عليه الداعي العهد والميثاق، وتكون استجابته على قدر استعداده ومقدرته على فهمه ما يُلقى على مسامعه من أُسس الدعوة وأفكارها وفلسفتها، ويشغل بذلك المرتبة الدنيا من مراتب الدعوة، فإذا أبدى استعداداً أكبر وتفهماً أكمل صار في عداد المؤمنين، ثُمَّ يبدأ بالارتقاء تدريجياً إلى المرتبة التي يستحقها من مراتب الدعوة، ويُطلق عليها في المصطلح الإسماعيلي الحدود الجسمانية وهي عشر: المأذون المحدود أو المكاسر، وهو الذي يُؤذن له

300