الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٣٠٢من العلم فيما يتضمنه من آراء، ولا يُلجأ إلى التأويل إلا إذا كان النَّص مُقدَّساً أو مُقيَّداً، ولولا ذلك لما كان ثمة داع للتأويل، فعملية التأويل قائمة مادام الإنسان مضطراً إلى الأخذ
بنص محدد، ولا يقتصر ذلك على الكتب المقدسة، بل يتعداه إلى النصوص القانونية والآثار الأدبية حين تصبح ذات سلطة.
.
+
-
والتأويل هو مفتاح التفكير الإيماني عند الإسماعيلية، على اختلاف درجاته، فهو معرفة الظاهر لأهل الظاهر أولاً، ثُمَّ معرفة الظاهر لأهل الباطن ثانياً، ثُمَّ معرفة الباطن لأهل الباطن ثالثاً. أو هو معرفة الظاهر والباطن، وتأويل الباطن بما هو ظاهر. والسبيل إليه ما يُسَمَّى نظرية المثل والممثول؛ أي تفسير الأمور العقلية غير المحسوسة بما يقابلها ويماثلها من الأمور الجسمانية المحسوسة. فَمَثَلُ الإسلام مَثَلُ الظاهر، ومَثَلُ الإيمان مَثَلُ الباطن، والنية مثل الولاية، ومَثَلُ القلب مَثَلُ الإمام، فَمَن لا يعتقد بولاية إمام زمانه لم ينفعه قول ولا عمل، ولم يصح له ظاهر ولا باطن. والقرآن في معتقد الإسماعيلية - قابل للتأويل، والنبي الناطق هو الذي يُعلم تأويله، فهو أول الراسخين في العلم، ويليه الوصي والأساس أو الصامت؛ فهو الراسخ في العلم في كُلِّ عصر. والأنبياء مواصلون من الله - تعالى - بالتأييد والعصمة في كل الأحوال. وقد ضربوا الأمثال لما يعرفونه بصيغ يقبلها العالم والجاهل. ولما كان النبي غير باق ليحكم في الناس، فإنَّ الحاجة إلى الإمام تظل متجددة، والعلم الذي خُص به الأئمة هو علم الباطن، والتأويل دعامته، وتقتصر معرفة أسرار الدين على الأئمة من نسل علي وفاطمة الزهراء، «فهم الكواكب والنُّجُوم والمصابيح، تُرسل نُورَ المعرفة إلى قلوب الأتباع». ولما سبق؛ فإنَّ الإسماعيلية لا يأخذون بالرأي والقياس والإجماع في التفسير والفقه. وقد تعرض مفهوم الإمامة عند الإسماعيلية إلى تغير تاريخي.
وه
منح الفكر الإسماعيلي أُسسه الفلسفية من نظرية الفيض الأفلوطينية، وليس من الغلو التأكيد أن وجهي الفكر الفلسفي الباطني واللأباطني أفادا من اعتماد هذه النظرية لحل المشكلات الميتافيزيقية وإخضاعها لمطلب التوحيد الإسلامي، وبديهي أن يتفرق هذان المنحيان بعد انطلاقهما من قاسم مشترك، وأن يأتي المنطق العقلي بثمار مباينة لثمار منطق التأويل.
304