الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٣٠٣(3) التنزيه المطلق أو التوحيد: يصف الإسماعيلية أنفسهم، وكذلك سائر الفرق الباطنية، بأنَّهم أهل «التوحيد»، وهُم يُؤكدون هذا المعنى دائماً، ولعل سبب إلحاحهم على هذا التوكيد شعورهم بأنَّ أهمَّ طَعْن يُوجه إليهم هو أنَّهم أشركوا بالله الواحد الأحد موجودات قديمة مثل العقل الكلي والنفس الكلية، وأنهم قالوا بالحلول؛ أي حلول روح الله في الأئمة. ولهذا؛ يحرص الإسماعيلية على توكيد معنى «التوحيد» بالنسبة إلى الله، ويذهبون في ذلك إلى حد نَفي الصفات عنه تعالى؛ لأنَّ كُلَّ صفة وموصوف مخلوق، وهُم لا يكتفون بنفي الشبيه عنه، بل يمضون إلى أبعد من ذلك، فينفون عنه التسمية، والحد والصفات، والزمان والمكان، وينفون عنه حتّى صفة الوُجُود الذي يُسمونه «أيساً»، وهي الكلمة التي استعملت في ترجمة مؤلفات أرسطو إلى العربيَّة؛ لأنَّ الأيس؛ أي الموجود، محتاج إلى ما يستند إليه في وجوده، «وكان هو - عزَّ كبرياؤه - متعالياً عن الحاجة إلى ما به يتعلق، وكان من ذلك الحكم بأنه ـ تعالى ـ خارج عن أن يكون أيس»؛ أي أنَّ الله - تعالى - وراء الآيات المتعلق وُجُودها بوجوده.
وهم يرون كذلك أنَّ نَفْي الصفات عن الله «معتقد صحيح لا يسوغ تَرْكُهُ؛ لأنَّ الصفات تلحق بالجوهر؛ إما في الأجسام، وإما في النفوس، والصفات تلحق بالموصوف من غيره لا من ذاته، فصفات الأجسام تأتي من خارجها كالأقدار والألوان، وما يجري مجراها، وفي النفوس تأتي من داخلها كالعلم والجهل، وهو يتعالى أن يكون له داخل أو خارج». ومن هنا؛ يأتي نَفْي التسمية عن الله؛ لأنَّ التسمية وسم يُوسم به المخلوقات، تميز كُلاً منها من الآخر، «والله متعال ليس له صُورة، ويتعالى عن أن يُوسم بما تُوسَم به أسباب خلقته» فالله هو: «الخالق الباري المبدع، قديم وقبل الأزل، وأما عالم الموجودات والمبدعات؛ فمُحدَث؛ لأنَّه إن كان غير مُحدَث، فيجب أن يكون شيء سابق قد أحدَثَهُ، وإذا كان العالم قديماً قبل الخالق استحال تعلق جبروته بالقدم، ووجوده بالعدم، واقتضى موجوداً أوجده. وهو المتعالي عن درك الصفات، فلا ينال بحس، ولا يقع تحت نظر، ولا تدركه الأبصار، ولا ينعت بجنس، ولا يوصف بالحواس، ولا يُدْرَك بالقياس، وهو المنزه عن ضد منافٍ، وَند مكاف، ليس له مثل، ولا شبه، وليس له أسماء؛ لأنَّ الأسماء من
305