الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات سعد رستم

الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات

الجزء ١ · صفحة ٣١١

رفض الداعية حمزة بن علي الزوزني موت الحاكم، وقال بأنَّه رفع إلى السماء وسيعود، ليُحاسب الكفرة). وهذه الغيبة ليست إلا لتخليص أنفس مريديه من الأدران، وأنه سيعود عندما يطفح كَيْل الظلم في العالم، ليقضي على هذا الظُّلم، ويملأ الأرض عدلاً. الرسالة الثالثة والسبعون تقول عن غيبة الحاكم: «إنَّه احتجب بنُوره عن خَلقه، فلم

يقتف أثره، واستر لغيبته وليه وصفيه، وخَلَفَ دُعاة».

تأليه الحاكم بأمر الله!!

عرفنا مما سَلَفَ أنَّ طائفة الموحدين هم من أتباع الحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمي وداعيته الشهير "حمزة بن علي بن أحمد". وقد كثرت أقوال المؤرخين حول الحاكم، فأكثر المؤرخين أيَّد أنَّ الحاكم قد ادعى الألوهية فترة من حياته، ثُمَّ عاد، وعدل عنها، ثُمَّ عاد مرة أُخرى، وادَّعى تجسد الله وحلوله في شخصه، وظل على دعواه تلك إلى أن اختفى موتاً أو قتلاً أو (غيبة) حسب اختلاف مُسمَّيات وفاته (2)، وأن داعية من دعاته اسمه "تشتكين الدرزي قد بشر بألوهيته بين سكان وادي التيم في الأقطار الشامية، فآمن قوم به، بل هناك من يقول بأنَّ من المحتمل أن يكون ادعاء الحاكم للألوهية ليس نتيجة لتعاليم "تشتكين المذكور وأصحاب هذا الرأي لا يقصرون أمر تأليه الحاكم على نشتكين الدرزي وحده، بل يذكرون

(3)

أنَّ حمزة بن علي، أكثر الناس التصاقاً، فهو صفيه وفيلسوف المذهب، قد صنف كُتُباً ذَكَرَ فيها أنَّ رُوح الله - سبحانه وتعالى - حلت وانتقلت إلى علي بن أبي طالب، وأن روح علي

انتقلت إلى العزيز، ثُمَّ إلى ابنه الحاكم، وجاهروا بنشر هذه الدعوة الجديدة، ولعل أكثرهم حماساً رجل يقال له: حَسَن بن حيدرة الفرغاني الأخرم، وقد قرب الحاكم هذا الرجل إليه، وخلع عليه، ولكن فكرة تأليه الحاكم لم تلق غير الاشمئزاز والسخرية من الناس، فتقدم رجل كرخي ذات يوم من الأخرم، وألقاه عن فَرَسه، ثُمَّ قَتَلَهُ، فما كان من الحاكم إلا أن أمر بقتل الكرخي، غير أنَّ النّاس انتهزوا الفرصة، فهاجموا دار الأخرم، ونهبوها).

(1) تاريخ الجمعيات السرية: ص 44. (2) لا تستخدم المصادر الدرزية كلمة موت أو وفاة بالنسبة للحاكم، بل تستعمل كلمة "غيبة" أو "اختفاء". (3) الدولة الفاطمية، حسن إبراهيم: ص 353. (4) الدولة الفاطمية لَحَسَن إبراهيم: ص 356، نقلاً عن نهاية الأرب للنويري (المخطوط).

313