الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٣١٤هذا؛ في حين يذكر الدكتور الشكعة نفسه، في كتابه المذكور، أنه خلال لقاءاته مع عدد
من كبار مشايخ الدروز ورجالاتهم وسؤالهم عن عقيدتهم في الحاكم بأمر الله، أكدوا له أنَّ الحاكم بأمر الله في نظرهم إمام فحسب، وله قدسية خاصة عند البعض، ولكنه ليس باله، وأنَّ فكرة تأليهه هي من الأفكار الباطلة التي دسها نشتكين الدرزي على المذهب، فراجت على كثير من العوام.
أصول ومنبع عقائد الموحدين:
إن عقيدة الدروز عقيدة سرية تنبع سريتها من أصولها ومناهلها، والسرية فيها - إذاً - ليست من باب التَّقيَّة، كما هو الحال في المذاهب الباطنيَّة، وإنَّما هي سرية مشروعة (1) نابعة من أصول العقيدة، فإنَّ صيانة الحقائق حسبما يقول الدكتور مكارم في مسلك الدروز هي أصل وأس رئيسي" وليس نهجاً طارئاً (2). ومن هنا تنبع المشكلة التي أثيرت وتثار دائماً عن مدى ما يستطيعه الدرزي العادي من التّعرف على حقائق مذهبه وأقواله.
والدرزية عقيدة تتلفع بالفلسفة، وتغوص إلى أعماق بعيدة في التأويل، لا يستطيع غير المتمرس على المصطلحات الفلسفيّة والأساليب الصوفية ومسالك أهل الكلام، من سبر أغوارها، وهَضم أصولها، وتَفَهُم مُنعرجاتها، ومن ثم كانت صعوبتها على العامة
وحجبها تبعاً لذلك عنهم. وأُصول العقيدة خليط من نظريات الفلاسفة القدامى وأفكارهم من يونان وإيرانيين وهنود وفراعنة، ولعل الدروز قد عمدوا إلى السِّرِّيَّة التي ضربوها على مذهبهم تمشياً مع بعض آراء الفلاسفة القدامى الذين كانوا يوصون بحجب آرائهم وسَتْرها عن جمهور النَّاسِ. فقد أوصى بالسرية كثير من الحُكَمَاء في العصور السالفة مثل هرمس وأفلاطون
وفيثاغورس" وبعض حكماء الهند وفارس، وهؤلاء جميعاً يُكرمهم الدروز، ويعتبرون فلسفاتهم ونظرياتهم من جملة مصادر المذهب)
(1) أضواء على مسلك التوحيد: لبايزيد، ص 65
(2) أضواء على مسلك التوحيد": ص 96.
(3) المصدر السابق: ص 97، 103.
(3)
316