الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٣٤الكافرين، إنَّ فارس والروم لتأسر، فتطعم، وتسقي، فالله الله، لا تقطعوا الماء عن الرجل»، فأغلظواله، وقالوا: لا نعم، ولا نعمة عين، فلما رأى منهم الجد نزع عمامته عن رأسه، ورمى بها إلى دار عثمان يُعلمه أنه قد نهض، وعاد. وأمَّا أُم حبيبة ـ وكانت مشتملة على إداوة - فضربوا وجه بغلتها، فقالت: إنَّ وصايا أيتام بني أُمية عند هذا الرجل، فأحببت أن أسأله عنها، لئلا تهلك أموال اليتامى، فشتموها وقالوا: أنت كاذبة، وقطعوا حبل البغلة بالسيف، فنفرت، وكادت تسقط عنها، فتلقاها النّاس، فحملوها إلى منزلها. وروى أبو جعفر قال: أشرف عثمان عليهم يوماً، فقال: أنشدكم الله؛ هل تعلمون أني اشتريت بئر رومة بمالي، أستعذب بها، وجعلت رشائي فيها كرجل من المسلمين، قالوا: نعم، قال: فلم تمنعونني أن أشرب منها حتّى أفطر على ماء البحر؟! ثُمَّ قال: أنشدكم الله؛ هل تعلمون أني اشتريت أرض كذا، فزدتُها في المسجد، قالوا: نعم، قال: فهل علمتُم أنَّ أحداً منع أن يُصلّي فيه قبلي.
قال أبو جعفر: فلما طال الأمر، وعلم المصريون أنهم قد أجرموا إليه جرماً كجرم القتل، وأنَّه لا فرق بين قتله وبين ما أتوا إليه، وخافوا على نفوسهم من تركه حياً، راموا الدخول عليه من باب داره، فأغلقوا الباب، ومانعهم الحسن بن علي وعبد الله بن الزبير و محمد بن طلحة ومروان وسعيد بن العاص وجماعة معهم من أبناء الأنصار، فزجرهم عثمان، وقال: أنتم في حل من نُصرتي، فأبوا، ولم يرجعوا. . .]).
(1)
ويروي المؤرخ المسعودي طَرَفاً من الوقائع التي انتهت بوقوع جريمة قتل الخليفة، فيقول: [ … فلما بلغ عليا أنَّهم يُريدون قتله، بعث بابنيه الحسن والحسين مع مواليه بالسلاح إلى بابه لنصرته، وأمره أن يمنعوه منهم، وبعث الزبير ابنه عبد الله، وطلحة ابنه محمداً، وأكثر أبناء الصحابة أرسلهم آباؤهم اقتداء بما ذكرنا، فصدوهم عن الدار، فرمي من وصفنا بالسهام، واشتبك القوم، وجُرحَ الحَسَن، وشج قنبر (مولى علي وخادمه)، وجُرحَ مُحمد بن طلحة، فخشي القوم أن يتعصب بنو هاشم وبنو أمية، فتركوا القوم في
،،،،
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 2 / ص 153 - 155.
35