الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٣٤٦الزيارة استقرَّ في يزد، وَشَرَعَ هناك في التدريس والوعظ، فتألق نجمه، وطار اسمه، وسمع به ملك إيران في حينه السلطان فتح علي شاه القاجاري، فأعجب به، فدعاه إلى القدوم للعاصمة طهران، فاعتذر في البداية لحبه للعزلة وخمول الذكر، لكنه استجاب في النهاية نظراً لإصرار السلطان، واستقبل في طهران بحفاوة، ثُمَّ عاد بعد مدة إلى يزد، ليُواصل التأليف وإلقاء الدروس، وكانت له زيارات متعددة لسائر مدن جنوب بلاد فارس كأصفهان و شيراز وجنوب العراق ككربلاء والبَصْرَة، وأخيراً؛ تُوفّي عام 1241 هـ/ 1825 م. وهو في طريقه إلى الحج على بعد مرحلتين من المدينة، فنقل جثمانه إلى البقيع، ودفن بها.
كان الشيخ الإحسائي - كما يذكر مَنْ تَرْجَمَ له - كثير الذكر، محباً للعزلة عن الناس، كثير الميل إلى حياة الأرياف والصحاري؛ حيث يسود الهدوء، ويسمو الخيال، فعاش الأحسائي في مثل ذلك الجو فترات طويلة وسنين عديدة، فَدَفَعَ الاستعداد الحاصل له قوة فكره إلى جهة الإشراق، ونمى لديه شُعُور النيل من عالم الغيب حالة اليقظة والمنام!) وأخذ يُطعم بتلك الخواطر والمكاشفات كلامه إذا تَحَدَّثَ، أو دري، وتأليفه متى كتب. وكان عالماً تضلع في الفقه والحديث والفلسفة والتفسير، وشارك في العلوم الإسلامية الأخرى التي كانت رائجة في عصره. وكان مفرطاً في ولهه ومغالاته في محبة وولاء الأئمة من آل محمد عليهم السلام، إفراطاً كان يشطح به عن ضوابط وحدود الشرع، وَمَرَجَ ذلك بنزعة عرفانية وتفكير صوفي طغى على أسلوبه، وظهر واضحاً في آرائه، وغرق فيه إلى هامته، رغم تنكره للصوفية والعرفاء، وتصديه للرد عليهم. وهكذا ظهرت في مؤلفاته وكتبه العديدة أفكار فيها التفويض؛ أي القول بأنَّ الله - تعالى - فوض أمر الكون خَلْقاً ورزقاً وتدبيراً للأئمة من آل الرسول عليهم السلام!! وأنَّ الأئمة هم مالكو يوم الدين وإياب الخلق يوم المعاد إليهم، وحساب الناس عليهم، وغير ذلك من أفكار الغلو والارتفاع الكثيرة التي ترفع الأئمة الاثني عشر إلى مقام يُضفي عليهم الكثير من الصفات الإلهية التي يرى جمهور المسلمين أنَّها من الصفات الخاصة بالله - تعالى - لا يُشاركه فيها أحد سواه. كما ظهر في أفكاره جلياً إنكاره للمعاد الجسماني، وقوله بأنَّ المعاد روحاني محض - كقول الفلاسفة ـ وقوله بأن معراج النبي
(1) يقرر ذلك بعض كبار فلاسفة المسلمين كابن سينا ونصير الدين الطوسي (الإشارات 3/ 393) فخر الدين الرازي (شرح الإشارات: 2/ 182، طبعة الخيرية عام 1325 هـ / 1907 م).
349