الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٣٥١خُلق حَسَن الهيئة، ومَن أنكرها خُلق قبيحاً. وقال بطهارة فضلاتهم ومدفوعاتهم. ولا أدري لماذا لم يكن لسيدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) نفسه - الذي شرف آله من أجله ـ مثل
تلك المزيَّة؛ بحيث يُخيّره الله في كيفية إيجاد الخلق وهيئاتهم، وكانت للأئمة من آله فقط؟! وهكذا سارت مدرسة تبريز خلف قادتها، واتَّبعت خُطى سَلَفها، وأعاد من تأخر من علمائهم أقوال مشايخه، وأيَّد مزاعمهم، وتحمس لها. ولم تكن مدرسة كرمان لتختلف عن أختها في الرأي والمعتقد، فالرأي واحد والأقوال متشابهة، فرأسها الحاج محمد كريم خان يرى أنَّ أهل البيت هم الخلق الأول، والعلل الأربع لباقي الخلق، وأنهم يفعلون ما يشاؤون، ويتولون يوم الجزاء أمر الجنّة .... والشيعة في نظره غير محاسبين على أعمالهم؛ لأنَّ ولاية آل محمد عليهم السلام تُطهرهم من كُلِّ ذنب وسار خلفاؤه من بعده سيرته، وآمنوا بآل محمد عليهم السلام إيمانه، ومؤلفاته طافحة بتلك الآراء والأقوال.
وخلاصة هذا الباب: أنَّ عُلماء الشيخيَّة قديماً وحديثاً قد تجاوزوا الحد المسموح به في تقديس آل محمد عليهم السلام، وغالوا في حبهم، حتّى فوضوا إليهم بعض الأفعال الإلهية، وهم وإن صرح البعض منهم بأن ذلك تفويض مشيئة لا تفويض شراكة أو استقلال، فإنَّهم غير معذورين عند المعتدلين من عامة الشيعة؛ لأنَّ الأئمة أنفسهم قد أنكروا ذلك، ونهوا عنه، وحرموا القول به، فضلاً عن كون تلك الأقوال تُناقض تعاليم القرآن الكريم نصاً وروحاً، فمنطق القرآن الكريم يقوم على أساس أنَّ الله وحده هو المستحقُ للعبادة؛ لأنه بيده الخلق والرزق والإحياء والإماتة والسعادة والشقاء، وأنه مالك يوم الدين إليه ـ تعالى ـ إياب الخلق، وعليه وحده حسابهم، فلو كان لغيره هذه الأمور، والعياذ بالله، لاستحق - حسب منطق القرآن - العبادة أيضاً. فالقول بالتفويض إشراك يُناقض مقتضى الكلمة
الطيبة التي هي أساس دعوة الإسلام ودعوة جميع الأنبياء، ألا وهي كلمة "لا إله إلا الله". والمسألة الرابعة والأخيرة: الإمام الناطق والركن الرابع. وخلاصتها: أَنَّه لابد لكل زمان من إمام ظاهر غير الإمام الغائب تكون له الوساطة بينه وبين رعيته، ويجب على العلماء دعوة الخلق إليه، وليس لغيره التصدي للأمور إلا بأمره. وهي تخص مدرسة كرمان وحدها، ولذلك؛ سُمِّي شَيْخيَّة كرمان بـ «الركنية». وقد ظهرت نُواتها الأولى في مؤلفات الإحسائي، وتلقاها خليفته الرشتي، فَوَضَحَهَا بعض الشيء. ولما انقسمت الشَّيْخيَّة بعد
354