الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٣٧٢إرهاصات تيار العَصْرَنَة والتجديد الإسلامي في شبه القارة الهندية
السيد أحمد خان (1242) - 1316 هـ / 1817 - 1898 م):
4
برزت بين المسلمين في الهند في أواسط القرن التاسع عشر، أثناء الاستعمار البريطاني لشبه القارة الهندية، شخصيَّة فكريَّة إصلاحية تجديديَّة، هي السيد أحمد خان"، الذي يعد الكثيرون كتاباته وأفكاره إرهاصات لفكر الحَدَاثَة التجديدي، الذي انتشر ـ فيما بعد ـ بين شريحة من المسلمين العصريين في الهند وباكستان، وكان من جملة آثار ذلك ظهور جماعة أهل القرآن.
ولد أحمد خان بن محمد متقي خان" في دهلي" في أسرة نبيلة تعود أصولها إلى فارس، وقد ارتحلت إلى هراة في أفغانستان، ومنها إلى الهند في عهد الشاه جهان (1628). 1666 م). كان جده لأبيه يُلقب بجواد الدولة، وكان جده لأمه من ذوي المناصب السياسية الرفيعة، وكان والده من كبار القوم، وقد عُرض عليه منصب الوزارة، فَرَفَضَهُ. بدأ أحمد خان حياته العملية بالاتصال بالإمبراطور بهادر شاه آخر ملوك دهلي المسلمين، فأنعم عليه برتب والده ونعوته، ولا تغلب البريطانيون على الهند، عمل أحمد خان لديهم موظفاً في شركة الهند الشرقية، ثُمَّ أصبح أميناً للسجلات في القلم الجنائي بدهلي، فَأَحْسَنَ العمل، وأظهر إخلاصاً ونشاطاً. وحين ثار الهنود المسلمون في دهلي ضد الحكم البريطاني فيما عرف بتمرد عام 1857 م، وفتك المستعمرون بالثوار المسلمين خاصة فتكاً ذريعاً، أدرك أحمد خان أنَّ الثَّورة ستُؤدّي إلى الأذى بشعبه؛ لأنَّهم لم يكونوا مستعدين لها، فأخذ يحث على إنهائها، وعرض حياته للخطر، وقدم النصح لبعض قادتها، فهددوه، وكان رأيه أنَّ سبب التَّمرد إساءة فهم الشعب الهندي لطبيعة الحكم البريطاني، وتجاهل الحكومة البريطانية لشروط الحكم. ولما انتهت الثورة، أكرمه البريطانيون بلقب صاحب نجمة الهند، كما عين زميلاً، وعضو شرف في الجمعية الملكية الآسيوية في لندن، وعينوا له راتباً شهرياً يرثه ابنه البكر من بعده.
=
أثرت أحداث الثورة وما أعقبها في نفسه، ما جَعَلَهُ يتبنى ويحمل هم قضيَّة إصلاح حال المسلمين في الهند، ورأى أنَّ من أهم وسائل ذلك نشر الثقافة العصرية بينهم لا سيما الغربية منها، التي كان يراها ضرورية للنّهضة بحال المسلمين، فأسس جَمْعِيَّة الترجمة
375