الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات سعد رستم

الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات

الجزء ١ · صفحة ٣٨

أصبح أبو سفيان قائد قريش بعد أن قتل قادتها وساداتها يوم بدر؛ وهو الذي أقبل بقريش يوم أحد، فتأثر لقتلى بدر من المشركين وامرأته هند أُمّ مُعاوية هي التي أعتقت وحشياً أنْ قَتَلَ حمزة، فلما قَتَلَهُ أقبلت على ميدان الموقعة، وبحثت عن حمزة، حتى وجدته بين القتلى، فبقرت بطنه، واستخرجت كبده، فلاكتها، وأبو سفيان هو الذي قاد قريشاً يوم الخندق، وألب العَرَب على النبي وأصحابه، وأغرى اليهود، حتّى نقضوا عهدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأبو سفيان هو الذي ظل يدبر مُقاومة قريش للنبي، وكيدها له، ومكرها به، حتَّى كان عام الفتح، فأسلم حين لم يكن له من الإسلام بد.

ومهما يقل الناس في معاوية من أنَّه كان مُقرباً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بعد إسلامه، وأنَّه كان من كتاب الوحي، ومن أنَّه أخلص للإسلام بعد أن تاب إليه، ونصح للنبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الثلاثة، مهما يقل الناس في معاوية من ذلك، فقد كان معاوية هو ابن أبي سفيان قائد المشركين يوم أحد، ويوم الخندق، وهو ابن هند التي أغرت بحمزة، حتَّى قُتِل، ثُمَّ بَقَرَتْ بطنه، ولاكت كبده، وكادت تدفع الرسول له نفسه إلى الجزع على عمه الكريم، وكان المسلمون يُسمون مُعاوية وأمثاله من الذين أسلموا بأخَرَة، ومن الذين عفا النبي عنهم بعد الفتح بالطلقاء؛ لقول الرسول: «اذهبوا؛ فأنتم الطلقاء».

هذه مقدمة لابد منها للمأساة الثانية التي جاءت الإمام علي من بلاد الشام، وكانت - بدون شك - أشدَّ هولاً، وقد حاول أمير المؤمنين - كعادته دائماً - أن يُعالج الأمر بالإقناع والمراسلة، ولكن؛ أبى معاوية إلا عناداً، وشدَّ أزره في موقف العناد عمرو بن العاص.

ولما اجتمع الفريقان دعا علي الله أبا عمر وبشير بن عمرو بن محصين الأنصاري وسعد بن قيس الهمذاني، وقال لهم: اذهبوا إلى هذا الرجل - يعني معاوية - ودعوه إلى الله، وإلى الطاعة، وإلى الجماعة، فلعل الله يهديه، ويلم شمل هذه الأمة.

وقد ذهب بشير بن عمرو، وقال لمعاوية: «إنَّ الدُّنيا عنك زائلة، وإنَّك راجع إلى الآخرة، وأنَّ الله محاسبك على ذلك، ومجازيك عليه، وإنِّي أُنشدك بالله - تعالى - أن لا تُفرّق جماعة هذه الأمة، وأن لا تسفك دماءها فيما بينها».

39