الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٣٩قال معاوية: «وأترك دمَ عُثمان، لا والله لا أفعل ذلك أبداً»، وقال للمجتمعين عنده: «انصرفوا عنّي، فليس عندي إلا السيف».
ومن الرسالتين المتبادلتين بين الإمام عليه ومعاوية سنرى واضحاً أن الإمام حاول خُطة المسالمة كعادته، ولكنَّ مُعاوية أظهر - بوضوح - نيته في توسيع هوة الخلاف، بل وفتح أبواب الخلاف واحداً بعد واحد، وواضح أن سياسة الإمام تختلف عن سياسة معاوية، بل هي على النقيض منها، فالخلاف واضح بين الصدق والمغالطة، أو بين الدين والدنيا، أو بين الخلافة التي يمثلها الإمام والملك الذي يُنشده معاوية.
كتب أمير المؤمنين إلى معاوية: «سلامٌ عليكَ؛ أما بعد؛ فإنَّ بيعتي بالمدينة لزمتك أنت بالشام»؛ لأنه بايعني الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بويعوا عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، وإِنَّما السورى للمهاجرين والأنصار. فإذا اجتمعوا على رجل، وسموه إماماً، كان ذلك الله رضاً، وإن خرج عن أمرهم ردوه إلى ما خرج عنه، فإنَّ أبي قاتلوه على أتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً. وإن طلحة والزبير بايعاني، ثُمَّ نقضا بيعتهما. وكان تنقضهما كردهما، فجاهدتهما بعد ما أعذرتُ إليهما، حتى جاء الحق وظهر أمر الله، وهم كارهون، فادخل فيما دخل فيه المسلمون، فإنَّ أحبَّ الأُمور إلى قبولك العافية، وقد أكثرت في قتلة عثمان، فإن رجعت عن رأيك وخلافك، ودخلت فيما دخل فيه المسلمون، ثُمَّ حاكمت القوم إليَّ، حملتُكَ وإيَّاهم على كتاب الله.
وأما تلك التي تُريدها (يعني الخلافة) فهي خدعة الصبي عن اللبن، ولعمري؛ لئن نظرت بعقلك دون هواك، لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان، واعلم أنَّك من الطلقاء (1) الذين لا تحل لهم الخلافة، ولا يدخلون في الشورى، وقد بعثت إليك وإلى من قبلك جرير ابن عبد الله، وهو من أهل الإيمان والهجرة، فبايعه، ولا قوة إلى بالله.
(1) يُشير إلى أن معاوية وأباه أطلقا من الأسر يوم فتح مكة؛ حين قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم. الفريش: ما تظنُّون أنّي فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم، فقال. في سماحته النبوية -: اذهبوا، فأنتم الطلقاء.
40