الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٣٨٠والتحديثية في تفسيره للقرآن تفسيراً متلائماً مع روح العصر جَعَلَهُ يُؤول آيات المعجزات بتأويلات علمية، لكي لا تتناقض مع روح العلم والتجربة التي تُشكل رُوح العصر الحديث. ومن جهة أخرى؛ كان الشيخ محمد عبده يؤكد أن أخبار الآحاد ليست حجة في أُصول العقائد والإيمان؛ لأن مبنى الأخيرة على العلم واليقين. كما كان يرى ضرورة إصلاح ثقافة المسلمين، وتغيير تلك الكتب الصفراء التي تُدرس في الجامعات الدينية كالأزهر وغيرها إلى كتب عصرية جديدة. ويقول في هذا رحمه الله تعالى: «لا يُمكن لهذه الأُمَّة أن تقوم مادامت هذه الكتب فيها (أي الكتب التي تُدرس في الأزهر وأمثالها، كما ذكَرَهُ في الهامش)، ولن تقوم إلا بالروح التي كانت
في القرن الأول، وهو القُرآن. وكُلُّ ما عداه فهو حجاب قائم بينه وبين العلم والعمل) (?)
2 ـ وقد تابعه في بعض ذلك تلميذه الداعية الإصلاحي السيد محمد رشيد رضا وزملاؤه عبر صفحات مجلته الشهرية الإصلاحية "المنار"، التي تواصل صُدورها لمدة أربعين عاماً ونيف، بدءاً من سنة 1315 هـ / 1897 م، ولغاية 1358 هـ/ 1939 م، والتي ضمت ـ فيما ضمت - عدداً من البحوث والتحقيقات العلمية الحرة حول الحديث الشريف وتدوينه ومكانته في التشريع ومجال حجية الآحادي منه، ومناقشة بعض أحاديث الصحيحين التي ظَهَرَتْ مخالفتها للعلم أو للتاريخ، ومناقشة بعض الروايات الإسرائيلية (أو النصرانية) التي تسربت للحديث عبر بعض مسلمة أهل الكتاب ككعب الأحبار، ووهب بن منبه، ونحو ذلك من الأبحاث. وكان العلامة رشيد رضا يرى - تبعاً لشيخه محمد عبده - أنَّ أخبار الآحاد لا يُحتج بها في العقائد وأُصول الدين التي مدارها على اليقين، كما كان يرى أن المقصود بالسُّنَّة، الواجب اتباعها مع القرآن الكريم، هو الأحاديث العملية والسيرة والمنهاج العملي النبوي في العبادات والمعاملات (مثل كيفية صلاته (صلى الله عليه وآله وسلم) وزكاته وحجه وجهاده. . إلخ)، فهذه هي السنة الشارحة للقرآن والمبينة لمجملاته، والتي تركها فينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم) مع القرآن الكريم (إني تارك فيكم كتاب الله وسنة نبيه) والتي يجب اتباعها كاتباع القرآن في كُلِّ زمان ومكان، أما الأحاديث القولية المحضة خاصة التي كانت تجيء في وقائع عينية، فليست تشريعاً عاماً، ولا مطلوب التعبد بها مدى الأعصر والأزمان، لذا؛ لم يهتم الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلم) بتدوينها، ولا حث عليه.
(1) أضواء على السنة المحمدية: محمود أبو رية، ط 3، القاهرة: دار المعارف، ص:
.406 - 405
383