الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٣٨٤وبالتالي؛ وحسب هذه الآيات الصريحة يجب اعتبار أتباع جميع الفرق مُسلمين مؤمنين، وأنَّ الناجين منهم هُم في الواقع كُلُّ مَنْ صَدَقَ في إيمانه، واتقى، وعمل صالحاً، من أي فرقة كانوا؛ لأنَّ كُلَّ اختلافات الفرق تقع في التعمق في العقائد والتفسيرات، وفي فروعات الأحكام والاستنباطات، وفي مسائل تاريخية وسياسية، وكُلُّها مسائل لا تُمثل - في الواقع - جوهر الدين وأساسه.
لذا؛ فالكل مسلمون مؤمنون مجتهدون مأجورون من الله، سواء أصابوا في اجتهادهم
أو أخطأوا.
وثانياً: أنَّه لا تُوجد فرقة واحدة في الإسلام لم يحصل بين أتباعها انقسامات واختلافات في الرأي؛ سواء على مستوى العقائد، أو على مستوى الفروع الفقهية، لذلك؛ لا تستطيع أي فرقة أن تحصر النّجاة بنفسها على أساس أنَّها الفرقة الواحدة الناجية؛ لأنها - في الواقع - ليست فرقة واحدة، بل فرق متعددة، فلقد رأينا مثلاً كيف أنَّ أهل السنة منقسمون إلى أهل حديث، وأشاعرة، وماتريديَّة، وحَشَويَّة، وصُوفيَّة، وسَلَفيَّة، في الأصول، وإلى حنفيّة، وشافعية، ومالكيَّة، وحنبليَّة، وأهل ظاهر، وأهل حديث، في الفروع، والشيعة منقسمون إلى زيديَّة، واثني عشرية، وإسماعيلية، وكُلُّ واحد من هؤلاء منقسم إلى فروعات كثيرة؛ فالزيدية، إلى جارودية، ويحيويَّة، وقاسمية و. . و. . والاثني عشرية إلى أخبارية، وأُصولية، والأخيرون إلى أراء مختلفة في الأصول والفروع، أما فرق الإسماعيلية؛ فحدث ولا حرج أيضاً، والخوارج هكذا … فأين هي الفرقة الواحدة الفردة التي يُزعَمُ أَنَّها الناجية؟!
إنَّ الكتاب الكريم والسنة النبوية والعقل والوجدان كلَّها تحكم وتقضي بأن النجاة لا يمكن أن تكون على أساس الآراء الكلامية المتحذلقة، أو على أساس الإصابة في الفتاوى المتعمقة، أو على أساس الرآي في الحوادث والشخصيات التاريخية الماضية، وهي الأُمور التي على أساسها افترقت الفرق، وتمايزت وتشخصت، وإنَّما النّجاة كما قال ـ تعالى ـ هي على أساس التقوى والعمل الصالح والحياة بصدق مع الله ـ تعالى ـ واتباع كتابه وسُنَّة نبيه (صلى الله عليه وآله وسلّم)، مهما كانت فرقة المسلم أو فقهه أو مشربه الكلامي. ولعل هذا ما أراد الله - تعالى - إفهامه لنا بقوله سبحانه: {وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ
387