الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات سعد رستم

الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات

الجزء ١ · صفحة ٣٨٦

لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلكَ، وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثَنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةَ، وَتَفْتَرقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاث وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ في النَّار الأملةً واحدةً، قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابي» أخرجه الترمذي وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مُفَسَّر لا تعرفُهُ مِثْلَ هَذَا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْه.

وأخرج ابن ماجة مثل ذلك عن عوف بن مالك وأنس. انتهى ما ساقه ابن الأثير في

الجزء الثالث في حرف الفاء.

إذا عرفت هذا، فالحديث قد استشكل من جهتين:

(1)

الجهة الأولى: ما فيه من الحكم على الأكثر بالهلاك والكون في النار، وذلك يُنافي الأحاديث الواردة في الأمة بأنَّها أُمَّةٌ، مرحومةٌ، وبأنَّها أكثر الأمم في الجنة؛ منها حديث أنس عنه «أُمَّتِي أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ مغفُورُ لهَا مُتابَ عَليها) وغيره مما مليت به كتب السُّنَّة من» الأحاديث الدالة على سعة رحمة الله لها، ولو سردناها لطال الكلام، ولما كان حديث الافتراق مشكلاً كما ترى، أجاب بعضهم بأنَّ المراد بالأُمة فيه أُمَّة الدعوة لا أُمَّة الإجابة، يعني أن الأمة التي دعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان بالله والإقرار بوحدانيته هي المفترقة إلى تلك الفرق، وأنَّ أُمَّة الإجابة هي الفرقة الناجية، يُريد بها من آمن بما جاء به النبي، فلا إشكال. وهذا جواب حَسَن، لولا أنْ يُبْعدَهُ وُجُوه: الأول: أن لفظ أُمَّتي؛ حيث جاء في كلامه لا يُراد به إلا أُمَّة الإجابة غالباً، كحديث أُمتي أُمَّةٌ مرحومة، وحديث لاتزال طائفة من أُمتي، وحديث أُمتي هذه أُمَّة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة، وحديث إذا وضع السيف في أُمتي، وحديث ليكونَنَّ من أُمتي قوم يستحلون الخر … وغير ذلك ما لا يحصى. فالأُمة في كلامه؛ حيث أُطلقت لا تُحْمَلُ إلا على ما تُعورف منها، وعهد بلفظها، ولا تُحمل على خلافه، وإن جاء نادراً. الثاني: قوله ستفترق بالسين، الدالة على أنَّ ذلك أمر مستقبل. الثالث: قوله ليأتين على أُمَّتي، فإنَّه إخبار بما سيكون ويحدث. ولو جعلناه إخباراً ينتهي بافتراق المشركين في المستقبل لما كان فيه فائدة؛ إذْ هُم على ضلالة وهلاك اجتمعوا أو افترقوا. الرابع: قرنهم بطائفتي اليهود والنصارى، فإنَّ المفترقين منهما هُم

(1) أخرج الإمام أحمد في مسنده بسنده عن أبي مُوسَى قال: «إِنَّ أُمِّني أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، لَيْسَ عَلَيْهَا فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ إلا عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْقَتْلُ وَالبَلاءُ وَالزَّلازِلُ».

389