الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات سعد رستم

الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات

الجزء ١ · صفحة ٣٨٧

طائفتا الإجابة لظاهر قوله تعالى (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) البينة / 4 وقوله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَتْ) البقرة/ 213، وقوله: (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) آل عمران/ 19، وقوله تعالى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَتْ آل عمران / 105. الخامس: ما أخرجه الترمذي عن أبي واقد الليثي أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة حنين مرَّ بشجرة للمشركين كانوا يعلقون عليها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سُبحان الله! إلى أن قال: «والذي نفسي بيده؛ لتركين سنن من قبلكم» وهذا خطاب من خاطبه من أُمة الإجابة قطعاً.

والذي يظهر لي في ذلك أجوبة:

أحدها: أنَّه يجوز أنَّ هذه الفرق المحكوم عليها بالهلاك قليلة العدد لا يكون مجموعها أكثر من الفرقة الناجية، فلا يتم أكثرية الهلاك، فلا يُرد الإشكال. وإن قيل يَمْنَعُ عن هذا أَنَّه خلاف الظاهر من ذكر كثرة عدد فرق الهلاك، فإنَّ الظاهر أنهم أكثر عدداً! قلت: ليس ذكر العدد في الحديث لبيان كثرة الهالكين، وإنَّما هو لبيان اتساع طرق الضلال وشعبها ووَحْدَة طريق الحق، نظير ذلك ما ذَكَرَهُ أئمة التفسير في قوله (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) الأنعام / 153، أَنَّه جَمَعَ السُّبُلَ المنهي عن اتِّباعها لبيان شعب طرق الضلال وكثرتها وسعتها، وأَفَرَدَ سبيل الهدى والحق لوحدته وعدم تعدده. وثانيها: أنَّ الحكم على تلك الفرق بالهلاك والكون في النار حكم عليها باعتبار ظاهر أعمالها وتفريطها كأنه قيل كلُّها هالكة باعتبار ظاهر أعمالها محكوم عليها بالهلاك وكونها في النار، ولا ينافي ذلك كونها مرحومة باعتبار آخر، من رحمة الله لها وشفاعة نبيها، وشفاعة صالحيها الطالحيها، والفرقة الناجية، وإن كانت مفتقرة إلى رحمة الله، لكنَّها

- باعتبار ظاهر أعمالها - يُحكَمُ لها بالنّجاة، لإتيانها بما أُمرت به، وانتهائها عما نُهيت عنه. وثالثها: أنَّ ذلك الحكم مشروط بعدم عقابها في الدنيا، وقد دل على عقابها في الدُّنيا حديث: «أُمتي هذه أُمة مرحومةٌ، ليس عليها عذاب في الآخرة، إنَّما عذابها في الدنيا الفتَن والزلازل والقتل والبلايا» أخرجه الطبراني في الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي

390