الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات سعد رستم

الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات

الجزء ١ · صفحة ٣٨٨

مُوسَى، فيكون حديث الإفتراق مُقيَّداً بهذا الحديث في قوله كلها هالكة ما لم تُعاقب في

الدنيا، لكنَّها تُعاقب في الدنيا، فليست بهالكة.

ورابعها: أن الإشكال في حديث الافتراق إنَّما نشأ من جعل القضية الحاكمة به وبالهلاك دائمة؛ بمعنى أنَّ الافتراق في هذه الأمة وهلاك مَنْ يهلك منها دائم مُستمر من زمن تكلمه بهذه الجملة إلى قيام الساعة، وبذلك؛ تتحقق أكثرية الهالكين، وأقلية الناجين فيتم الإشكال. والحق أن القضية حينيَّة، يعني أن ثبوت الافتراق للأمة، والهلاك لمن يهلك ثبت في حين من الأحيان، وزمن من الأزمان. يدلُّ على أنَّ المراد ذلك وُجُوه: الأول: قوله ستفترق الدال على الاستقبال، لتحلية المضارع بالسين، الثاني: قوله ليأتين على أُمتي فإنَّه إخبار بأمر مستقبل، الثالث: قوله ما أنا عليه وأصحابي فإِنَّ أصحابه من مُسَمَّى أُمَّته بلا خلاف، وقد حكم عليهم بأنهم أُمَّة واحدة، وأنَّهم الناجون، وأنَّ مَنْ كان على ما هُم عليه هُم الناجون، فلو جَعَلْنَا القضيَّة دائمة من حين التكلم بها للزم أن تكون تلك الفرق كائنة في أصحابه، وهلم جراً، وقد صَرَّحَ الحديث نفسه بخلاف ذلك، فإذا ظهر لك أنَّ الحكم بالافتراق والهلاك، إنَّما هو في حين من الأحيان، وزمن من الأزمان لم يلزم أكثرية

الهلاك وأقلية الناجين، وهذا الجواب - بحمد الله، والذي قبله جيد - لا غبار عليها.

إن قلت: يجوز أن يكون زمن الافتراق أطول من زمن خلافه، فيكون أهله أكثر فيكون الهالكون أكثر من الناجين؛ قلتُ: أحاديث سعة الرحمة، وأكثرية الداخلين من هذه الأمة إلى الجنّة قد دلّت على أنَّ الهالكين أقل، وذلك لقصر حينهم المتفرع عليه قلتهم بالنسبة إلى أزمنة خلافه المتطاولة وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأتيه التناقض من بين يديه، ولا من خلفه، فلابد من الجمع بين ما يوهم التناقض، وقد تم الجمع بهذا الوجه، وما قبله، فتعين المصير إليها هذا، ولا يبعد أنَّ ذلك الحين والزمان هو آخر الدهر الذي وَرَدَت الأحاديث بفساده وفشو الباطل فيه، وخفاء الحق، وأنَّ القابض فيه على دينه كالقابض على الجمرة، وأنه الزمان الذي يُصبح فيه الرجل مؤمناً، ويُمسي كافراً، وأنه زمان غربة الدين، فتلك الأحاديث الواردة فيه التي ش شحنت بها كتب السنة قرائن دالة على أنَّه زمان كثرة الهالكين وزمان التفرق والتدابر. ويحتمل ـ أيضاً ـ أن الافتراق كان من بعد القرون المشهود لها بالخيريَّة، وأنَّ في كُلِّ قرن بعدها فرق من الهالكة، وأكثرها في آخر الزمان، وهذا جواب جيد استقل عن الإشكال.

"

391