الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٣٨٩:
الجهة الثانية من جهتي الإشكال في تعيين الفرقة الناجية، فقد تكلم الناس فيها، كُل فرقة تزعم أنها هي الفرقة الناجية، ثُمَّ قد تُقيم بعض الفرق على دعواها بُرهاناً أَوْهَى من بيت العنكبوت! ومنهم من يشتغل بتعداد الفرق المخالفة لما هو عليه، ويعمد إلى ما شدت به تلك من الأقوال، فينقله عنها، ليُبيِّن - بذلك - أنَّها هالكة، لاعتمادها على تلك الأقوال، وأنه ناج بخُلُوصه عنها، ولو فتّش ما انطوى عليه لوجد عنده من المقالات ما هو أشنع من مقالات من خالفه، لكنَّ عَيْنَ المرء كليلة عن عيب نفسه؛ وبالجملة:
فكل يدعي وَصْلاً لليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا وكان الأحسن بالناظر في الحديث أن يكتفي بالتفسير النبوي لتلك الفرقة، فقد كفاه
معلم الشرائع الهادي إلى كُلِّ خير المؤنة، وعيّن له الفرقة الناجية بأنَّها مَنْ كانت على ما هو عليه وأصحابه. وقد عرف - بحمد الله - من له أدنى همة في الدين ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ونقل إلينا أقوالهم وأفعالهم، حتى أكلهم وشربهم ونومهم ويقظتهم، حتى كأَنَّا رأيناهم رأي عين، وبعد ذلك؛ فَمَنْ رَزَقَهُ الله إنصافاً من نفسه، وجَعَلَهُ من أُولي الألباب، لا يخفاه حال نفسه، وهل هو متبع لما كان عليه النبي وأصحابه، أو غير متبع، ثُمَّ لا يخفى حال غيره من كُلِّ طائفة: هل هي مُتَّبَعَة أو مُبْتَدَعَة، ومَنْ ادَّعَى أَنَّهُ مُتَّبع للسُّنَّة النبوية، مُتَقَيّد بها، تُصدَّقُ دعواه أقواله وأفعاله أو تُكذِّبها، فإنَّ ما كان عليه قد ظهر - بحمد الله - لكُلِّ إنسان، فلا يمكن التباس المبتدع بالمتبع.
وعندي على تقرير ذلك الجواب، وأنَّ زمن الافتراق والهلاك هو آخر الزمان، وأنَّه لا بُعْدَ في أَنَّ الفرقة الناجية هُم الغُرباء المشار إليهم في الحديث كحديث: «بدأ الإسلام غَرِيباً، ثُمَّ يَعُودُ غَرِيباً، كَمَا بَداً، فَطُوبَى الغُرَبَاء. قيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ وَمَنْ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: الذينَ يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ. .) وفي رواية: «الذين يفرون بدينهم من الفتن» وفي
(1)
(1) أخرج مسلم في صحيحه (كتاب الإيمان، ح 208) وابن ماجة في سننه (كتاب الفتن) بسندهما عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيباً، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيباً، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاء» هكذا فقط بدون زيادة، أما الحديث المذكور مع تتمته؛ فهو ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الرَّحْمَنِ بن سَنَّة.
392