الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات سعد رستم

الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات

الجزء ١ · صفحة ٤٠

وقد رد معاوية قائلاً:

«سلام عليك؛ أما بعد؛ فلعمري، لو بايعك الذين ذكرت وأنت بريء من دم عثمان، لكنت كأبي بكر وعمر وعثمان، ولكنك أغريت بدم عثمان، وخذلت الأنصار، فأطاعك الجاهل، وقوي بك الضعيف، وقد أبى أهل الشام إلا قتالك، حتّى تدفع إليهم قتلة عثمان، فإن فعلت، كانت شورى بين المسلمين، وإنّما كان الحجازيون هم الحكام على النّاس، والحق فيهم، فلما فارقوه، كان الحكّام على النّاس أهل الشام، ولعمري، ما حُجتك على أهل الشام كحجتك على طلحة والزبير إن كانا بايعاك، فلم أبايعك أنا، فأَمَّا فضلك في الإسلام وقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلست أدفعه».

والرسالة كُلُّها مغالطة حاملة للبهتان والأباطيل، فتسليم قتلة عثمان لا يكفي؛ لأنَّ

المرجع بعد ذلك إلى الشورى والنظر في البيعة من جديد.

وشورى الحجازيين العراقيين لا تكفي؛ لأنَّ الحق قد خرج منهم إلى أهل الشام، وهم الحكام على الناس .... لأنهم يحكمون لمعاوية، ولا يحكمون لغيره، وهو بذلك - يُسقط العدالة عن المهاجرين والأنصار، وعلى أهل بدر الذين لم يتخلف واحد منهم عن بيعة أمير

المؤمنين. [انتهى.

وبعد أن لم يُجد الإقناع الصادق شيئاً، وبعد أن قام جنود معاوية بغارات متعددة على كُلِّ مَنْ عُرف من القبائل بموالاة علي ونُصرته - أي بأنَّهم من شيعة علي - ليعملوا فيهم آلة السلب والنهب والقتل)، قام الإمام علي بما يفرضه عليه دينه من وجوب مكافحة هذا الفساد في الأرض، ووضع حد له، وكانت موقعة صفين التي لم يعد منها بد، بين جيش علي وجيش معاوية، وكانت أكبر معركة داخلية وأهلية بين أهل الإسلام، وإرهاصاً للانقسام الكبير للإسلام إلى فرقتي الشيعة والسنة، ذلك الانقسام الذي استمر إلى يومنا هذا. وأصبح يُطلق - لأول مرة - لقب الشيعة كتمييز لأتباع علي وأنصاره وكُلِّ مَنْ هواه مع

(1) ترى تفصيل ذلك في كتاب الغارات للثقفي، وسائر كتب التاريخ؛ كتاريخ الأمم والملوك للطَّبَرِي، والكامل في التاريخ لابن الأثير الجزري، وغيرهما.

41