الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٤٢القضية الثانية: أنَّ ما يُضفى على الأشخاص من ولاية أو قداسة يكون بقدر ما استمسكوا بمبادئ، وما دافعوا عن قيم لم يتهاونوا فيها في أحلك الظروف: من أجلها
يموتون أو يقتلون.
فما عسى أن تكون تلك القيم التي انفرد علي زمن خلافته بالدفاع عنها، لا يثنيه عن ذلك أنَّه يُحارب مسلمين، ولا يفت في عزيمته أنَّه يُواجه نفراً من كبار الصحابة، حتّى إنَّه ليقول: لو كشف عنِّي الغطاء ما ازددت يقيناً، وأنَّه يُحارب على تأويله كما كان يُحارب مع رسول الله على تنزيله؟ يُمكن تلخيص ذلك في الأمور التالية:
1 - خلل اقتصادي أراد أن يُصلحه:
استهل على حكمه بخطبة حدد فيها سياسته، وخلاصتها أنَّه سيحمل الناس على نهج المساواة في العطاء، كما كانت على عهد نبيهم، وأنه إذا كان رجال منهم قد أَشْرَوا وَاتَّخَذُوا العقار، وفجروا الأنهار، وركبوا الخيول الفارهة، واتَّخَذوا الوصائف الرقيقة، ثُمَّ منعهم هو ذلك كله، فليس من حقهم أن يدعوا أنهم حُرموا حقاً لهم في مقابل أنَّهم مكنوا لهذا الدين في الأرض، إنَّهم - بذلك - يمنون على الله بإسلامهم، وأنَّ أجر المهاجرين والأنصار على مَنْ سبقهم إلى الإسلام إنَّما هو عند الله يوم القيامة، وأيما رجل دخل دين الإسلام فقد استوجب حقوق الله وحدوده، فالمال مال الله يجب أن يُقسم بالسوية.
وحدد اليوم التالي لتوزيع العطاء على جميع المسلمين بالسواء؛ لكل ثلاثة دنانير، لا فضل لعربي على عجمي، ولا الحُرِّ على عبد، فكان أن تخلف نَفَر من كبار المهاجرين كالزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عُمر، كما تخلف الأمويون المقيمون بالمدينة، وعلى رأسهم مروان بن الحكم، فكان أن أقسم علي ليقيمتهم على المحجة البيضاء
والطريق الواضح
(1)
·
ولم يكتف علي بالمساواة في العطاء، لكنه عمد إلى استرداد ما أخذ في عهد عثمان من
مال بغير حق، معلناً أنَّ كُلَّ قطيعة أقطعها عُثمان وكُلَّ مال أعطاه من مال الله فهو مردود إلى.
(1) ابن أبي الحديد شرح نهج البلاغة: مجلد 2، ج 7 / ص 17.
43