الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٤٣بيت المال، فإنَّ الحق القديم لا يبطله شيء، ثُمَّ أعاد إلى بيت المال كُل ما أخذه الأمويون من أموال في المدينة، وحينما بلغ عمرو بن العاص ذلك، ولم يكن قد انضم - بعد ـ إلى معاوية، كتب إليه يقول: ما كنت صانعاً فاصنع؛ إذ قَشَرَكَ ابن أبي طالب كُل مال تملكه، كما تُقْشَرُ من العصا لحاها، وحينما وجد نَفَراً من الناس قد ساءهم ذلك خطب فيهم مشيراً إلى قوله تعالى: (يَنَاهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى) وحذرهم أن تغرهم الحياة الدنيا، وأنَّه ليس لأحد على أحد في هذا الفيء أثرة، وأنه لم يحكم في المال إلا بما كان يحكم به رسول الله، وطلب من كبار الصحابة أن يُعينوه على الحقِّ، وأن يردُّوه عن الجور، وأن يُوقفوه إن استأثر لنفسه، أو لبيته في الفيء بشيء منه
(1)
ذلك هو السبب الخفي والحقيقي لخروج من خرج على علي، ولنكوث مَنْ نَكَثَ فِي بيعته، وإن توارى ذلك وراء دعوى مفتعلة اسمها دم عُثمان.
أراد أن يُعيد المساواة الاقتصادية كما كانت على عهد الرسول، وقد كان عليه الصلاة والسّلام يُسوي بين الناس في العطاء، إلا إن كانت زيادة لتأليف قلوب ضعاف الإيمان، وهي زيادة لا تزيدهم فضلاً، بل تنقصهم قدراً؛ إذ لحقتهم وصمة (المؤلَّفة قُلُوبهم)، وظلت التسوية في عهد أبي بكر، ثُمَّ منع عُمر الزيادة للمُؤلَّفة قُلُوبهم، وفاضل في العطاء وفقاً للسبق في الدين: فالأفضلية لأهل بدر، ثُمَّ مَنْ حارب بعد بدر إلى الحديبية، ومنها إلى حروب الردة، هكذا فاضل بين النّاس وفقاً للسبق إلى الإسلام، كما راعى قرابة رسول الله، ولم تكن هذه المفاضلة لتجعل الناس طبقات تتمايز بالدخل أو العطاء، فلقد عارض عمر طلب فريق من قريش كان ينزع في الحجاج ليقتسم الأراضي الزراعية في البلاد المفتوحة قائلاً: ألا إِنَّ قُريشاً يُريدون أنْ يَتَّخذوا مال الله دون عباده، ألا فأما وابن الخطاب حي فلا، إِنِّي قائم دون شعب الحرة، فأخذ حلاقيم قريش، وحجزها أن يتهافتوا في النار (2).
فلما كان عهد عثمان، كان أول الوهن أن خرج سادة قريش إلى الأقاليم المفتوحة، فنشأت طبقة قوامها المال، ودعواها السبق إلى الإسلام وصحبة الرسول، وأحاط الناس بهم
(1) المرجع السابق: مجلد 1: ج 1 / ص 89، ومجلد 2: ج 7 / ص 173.
(2) الطبري: تاريخ الأمم والملوك: ج 5 ص 134.
44