الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات سعد رستم

الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات

الجزء ١ · صفحة ٤٥

وما عسى أن يكون الأمر لو استقرت هذه الحال، إلا أنْ تكون حال الدولة الإسلامية كحال سائر الإمبراطوريات؛ حيث الحكم للقوة؛ وحيث يتسلط الغالبون على المغلوبين،

ويغتصبون أرضهم، ويستعمرون خططهم.

3 - ووضع سياسي معوج أراد أن يقومه:

(1)

ولم يكن الوضع السياسي بأقل خَلَلاً؛ إذ كان ولاة الأمصار في عهد عثمان ـ وهم سبب الفتنة وثورة الناس - من أقاربه، حتى أصبحت العصبية سافرة، ومن ثم؛ فقد عمل علي منذ اليوم الأول لخلافته على حسم مسألة الولاة في غير هوادة، ولم يقبل نصح الناصحين له أن يُثبت معاوية على الشام اتقاء شره، ولو أنَّه فعل ذلك لما أرضى خُصُومه، ولَفَقدَ أنصاره، وخيب رجاءهم فيه، كان دينه يمنعه من التهاون والمداراة، واتَّخَذَ علي ولاته من الذين أُبعدوا في عهد سابقيه دون سبب؛ إلا أن يكون السبق إلى الإسلام أو القرابة لرسول الله سبباً يحجب المرء عن الولاية)، ولم يكن اختياره لمن اختاره من بني هاشم عن عَصَيَّةٍ، فَإِنَّما مَنْ أبطأ به عمله لم يُسرع به نسبه على حد تعبيره، ولو كانت عن عَصَيَّةٍ لما عزل ابن عمه وأقرب الناس إليه، في أحلك الأوقات، عن ولاية البصرة حين عجز عبد الله ابن العبَّاس عن أن يُقدِّم حساباً لما أنفقه من بيت المال؛ إذ كان ـ مع ما أحاط به من فتن وما واجهته من صعاب ـ لا يشغله شيء عن مراقبة عُمَّاله، يُشدد عليهم الحساب، ويُهدد، ويتوعد من يجد فيه انحرافاً، كما فعل مع زياد بن أبيه، ويعزل مَنْ يخيب ظنُّه فيه كالمنذر بن الجارود، ويثني على من يسير في الناس سيرة قوامها العدل.

.

4 - وحيد - إلا من نفر قليل معه - أمام تيار جارف من المطامع الدنيوية التي أثارتها الفتوحات:

ولم يعرف علي في مواجهة الخلل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي شيئاً من التهاون مهما انفض الناس من حوله، مؤثرين دنيا معاوية، فحينما قال له الأشتر: إِنَّكَ تأخذهم بالعدل، وتعمل فيهم الحق، وتُنصف الوضيع من الشريف .. فَضَجَتْ طائفة من معك من

(1) المقريزي: النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم: ص 38.

46