الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات سعد رستم

الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات

الجزء ١ · صفحة ٤٦

الحق؛ إذ عموا عنه، واغتموا من العَدْل؛ إذْ صاروا فيه، ورأوا صنائع مُعاوية عند أهل الغنى والشرف، فتاقت أنفس الناس إلى الدُّنيا … فإن تبذل، تُمل إليك أعناق الرجال، وتصف نصيحتك لهم، ويُصغ ودُهُم، ردَّ علي بأنَّه يخشى أن يكون مقصراً في الحق … وأنَّ الناس لم يفارقوه عن جور، ولا لجؤوا؛ إذْ فارقوه إلى عدل، وإنما التمسوا دنيا زائلة، ولا يسعه أن يُؤتي أمراً من الفيء أكثر من حقه.

وقد يرى البعض في هذا التشدد في التمسك في الحقِّ ضعف سياسة؛ إذ تقتضي هذه المرونة والمداهنة من أجل تحقيق الهدف، ولست بصدد تقييم سياسته، وإنما تفسير مُولاة الشيعة له، وأغلب الظَّنِّ أَنَّه لو اتَّبع ما نَصَحَهُ الناصحون فما كان بمستطيع أن يُجاري معاوية في استمالة الأتباع بالأموال وولاية الأمصار؛ إذ استأثر مُعاوية بما تُجبيه علة الشام من أموال يُنفق منها على أنصاره بلا رقيب ولا حساب، ولأصبح الأمر بينهما مزايدة على شراء الذمم وخراب الضمائر، ولأصبح علي آخر الأمر عن يقين خاسراً دينه ودنياه وأنصاره وخصومه

على السواء.

(1)

ولقد خسر علي دنياه؛ لأنَّ الأمر لم يكن مجرد حرب معاوية، وإِنَّما لأنَّه كان يُجابه طبع البشر وطابع العصر، كان يُريد أن يُصلح اعوجاجاً قد استقر من قبله بضع سنين، وكان يقاوم قاعدة جارية في الحروب والفتوحات: أن يستمتع المنتصر بامتيازات نصره، ما اكتسبه بسيفه ورمحه، وما أوجف عليه بخيله ورجله)، كان يُريد بقيم الإسلام أن يُعدل تياراً جارفاً من سنن التاريخ، وأن يُقوم طبعاً قد استقر كأنه طبيعة في البشر، بينما كان انتصار معاوية يسيراً؛ لأنَّه سعى إلى تحقيق ما جرى عليه الغالبون في الفتوحات، وما دَرَجَتْ عليه سياسة الإمبراطوريات.

خسر علي دنيوياً - في الظاهر؛ لأنه لم يُساوم على مبادئ الحق والعدل، ولكن في إخفاقه يكمن سر موالاته وتقديسه، ولو أنه قد انتصر على حساب المبادئ لما والوه، ولا قدسوه كما أخفق، لأنَّه ـ بالنصر - يكون قد جنى ثمرة سياسته، وعندما تُخفق القيم

(1) رد الزبير على على حين طلب منه الأخير أن يتنازل عما امتلكه في أرض السواد في العراق: أرض قد أوجفنا عليها بخيلنا ورجلنا.

47