الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٤٧والمثل أمام الأطماع والشهوات، فإنَّها تستقيم بعدها، وتعود إلى القسط عندما يُعوض صاحبها ـ بعد مماته - قداسة وموالاة أبديَّة، ويغدو رمزاً للعدالة والإنسانية، تعويضاً عن التكران والعدوان الذي عاناه في حياته. لقد أراد على النّاس لدينهم، ولكنَّهم خذلوه في حياته، ليعودوا، فيقدروا شأنه، ويُقدسوه بعد مماته.
5 - «و لم ترزا (1) من الدنيا شيئاً، ولم ترزا الدنيا منك شيئاً ..... وما كانت دعوته لتضفي عليه قداسة لو لم يبدأ بنفسه يُحاسبها بأشد من محاسبته ولاته أو الناس، حتّى أصبح قدوة الصوفية، وشيخهم الأول في الورع والزهد ومحاسبة النَّفس، وما يُؤثر عنه في ذلك لا يحصره هذا العرض الوجيز، كان إذا فرغ في ليلة من شؤون المسلمين أطفأ شمعة ثمنها من بيت المال، ليوقد أُخرى من ماله الخاص إن أراد قضاء مصلحة لنفسه أو لبيته أو لقيام الليل، عنف ابنته أشد التعنيف؛ إذ رآها متزينة بقلادة استعارتها مدة العيد من بيست المال، مع أنها كانت قد وَعَدَتْ بردها بانتهاء العيد، وعنف أخاه الكبير والضرير عقيلاً لما جاءه يلتمس منه زيادة في العطاء من البر عما أخذه سائر الناس، فأحمي علي له حديدة، ومسه بها، وقال له لما صاح من ألمها: «تَكلَتْكَ النَّوَاكِلُ يَا عَقِيلُ: أَتَيْنُ مِنْ حَدِيدَةٍ أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلْعِبِهِ، وَتَجْرِنِي إِلَى نَارٍ سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ؟! أَتَيْنَ مِنَ الْأَذَى ولا أَبْن مِنْ لَظَى؟ … والله؛ لَوْ أُعْطِيتُ الأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلاكِهَا عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلَبُهَا جُلبَ شَعِيرَة مَا فَعَلْتُهُ، وإِنَّ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي لأَهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ فِي فَمِ جَرَادَةِ! تَبْقَى تَقْضَمُهَا مَا لِعَلِي وَلِنَعِيمٍ يَفْنَى وَلَذَّةٍ لا تبقى .. ، وأخيراً؛ قتل علي، ولم يكن في بيته
(1) قال في لسان العرب: ورَزَأَه ماله ورزقه يَرْزَؤُهُ فيهما رزءاً: أَصابَ من ماله شيئاً … ومنه حديث عمران والمرأة صاحبة المزادتين: أتعلمين أنا ما رَزَ أنا من مالك شيئاً؛ أَي ما نَقصنا، ولا أَخَذْنا.» وعلى هذا؛ يكون معنى الجملة أنك لم تُصب من مال الدنيا، ولم تأخذ مه شيئاً، كما أنَّ الدُّنيا لم تُصب منك، ولم تنقص منك ومن مبادئك
وقيمك شيئاً.
(2) العبارة لعمار بن ياسر في وصف علي وتكملتها: ووَهَبَ الله لحبك المساكين، وجعلك ترضى بهم أتباعاً، ويرضون بك إماماً.
(3) نهج البلاغة قسم الخطب خطبة رقم 224، ص 347
48