الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات سعد رستم

الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات

الجزء ١ · صفحة ٥٠

لم يتعد الإيمان تراقيهم، بينما قدسه أهل الباطن من الصوفية والشيعية، كما قدره معتزلة بغداد، وأدق ما وصف به ما قاله عنه الحَسَن البَصري ربَّاني هذه الأمة، بكل ما يحمله اللفظ من سر عميق، ومن غموض وجلال.

استشهد، ولم يُبلغ رسالته، أو بلغها، ولكنه لم يستوف مراده؛ لأنَّ الناس لم تُمكنه، (لواستوت قدمي هذين لبدلت أشياء)، فمات شأنه شأن الأنبياء الباصرين، الذين يأتون إلى البلد ليس ببلدهم، وإلى قوم ليس بقومهم، في زمان ليس برمنهم

(1)

وحين يسبق داعيةً زمنه، ويكون غريباً بين قومه، فإنَّه يُخفق في نشر رسالته في حياته،

ولكنه يبقى على مر الزمان للناس إماماً.

هذه المحاولة للإجابة عن السؤالين: لماذا بقيت الموالاة على مر الزمان؟ ولم صمدت

رغم صنوف الاضطهاد؟ ولماذا علي دون غيره من صحابة الرسول، مع أنه وحده من بين الخلفاء الراشدين من حارب مسلمين؟

انقسام سياسي ثالث يُنشئ فرقة الخوارج

لما لاحت كفة النَّصر لعلي، في معركة صفين، خاصة بعد استشهاد عمار بن ياسر الذي كان من أخلص أنصار ومحبي علي، وكان يُقاتل تحت رايته، وقد جاوز عمره التسعين عاماً، فانفض عند شهادته كثير من أصحاب معاوية عنه، لما عقلوه من حديث رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلم) الشهير الذي قال فيه لعمار: ويح عمار، تقتله الفئة الباغية، يدعونه إلى النار، ويدعوهم إلى الجنَّة، وهم مُعاوية بالفرار مهزوماً، فأشار عليه عمرو بن العاص بخدعة رفع المصاحف على أسنة الرماح، إشارة إلى المطالبة بالاحتكام إلى كتاب الله، وهنا؛ اختلف جماعةٌ من أصحاب علي: أيقبلون هذا التحكيم؛ لأنهم يُحاربون لإعلاء كلمة الله وقد دعوا إليها، أم لا يقبلون؛ لأنَّها خدعة حربية لجأ إليها معاوية وصحبه لما أحسوا بالهزيمة؟ وبعد جدال وتردد قبل علي التحكيم، واختار معاوية عمرو بن العاص

(1) العبارة لجبران خليل جبران، والمقصود أنه حمل للناس القيم والمثل في زمن انصرف الناس عنها إلى مطامع

الدنيا.

51