الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات سعد رستم

الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات

الجزء ١ · صفحة ٥١

ليمثله، واختار أصحاب علي أبا مُوسى الأشعري؛ إذ ذاك ظهر قوم من جند علي، أكثرهم من قبيلة تميم، نفروا من أن يُحكم أحد في كتاب الله، ورأوا أنَّ التحكيم خطا؛ لأنَّ حكم الله في أمره واضح جلي، والتحكيم يتضمن شك كُل فريق من المحاربين أيهما المحق، وليس يصح هذا الشك؛ لأنَّهم وقتلاهم إنَّما حاربوا وهم مؤمنون ـ بلا أدنى شك - أنَّ الحق في جانبهم. وقالوا: قال الله تعالى: {فَقَتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) ولم يقل حاكموهم! وهم البغاة. وهذه المعاني المختلجة في نفوسهم صاغها أحدهم في الجملة الآتية: «لا حكم إلا لله»، فَسَرَت الجملة سير البرق إلى من يعتنق هذا الرأي، وتجاوبتها الأنحاء، وأصبحت شعار هذه الطائفة، وقالوا لعلي: إن عدت إلى قتالهم، وأقررت على نفسك بالكفر؛ إذ أجبتهم إلى التحكيم، وإلأ نابذناك، وقاتلناك. فطلبوا من علي أن يُقر على نفسه بالخطأ، بل بالكفر، لقبوله التحكيم، ويرجع عما أبرم مع معاوية من شروط، فإن فعل، عادوا إليه، وقاتلوا معه، فقال لهم علي رضوان الله عليه: قد أَبيتُ عليكم في أول الأمر فَأَبَيْتُم إلا إجابتهم إلى ما سألوا، فأجبناهم، وأعطيناهم العُهود والمواثيق، وليس يسوع لنا الغدر، فأبوا إلا خلعه وإكفاره بالتحكيم، وخرجوا عليه، فسموا خَوَارج. وكان موقف علي في منتهى الدقة، فكيف يرجع عن اتفاق أمضاه، والدِّين يأمر بالوفاء بالعهود، ولو رجع، لتفرق عنه أكثر أصحابه، وكيف يقرُّ على نفسه بالكفر، ولم يُشرك بالله شيئاً منذ آمن، فضايقوه بالإكثار من «لا حكم إلا لله»، فإذا خطب في المسجد قاطعوه بقولهم «لا حكم إلا لله»، فتجاوبت بها أنحاء المسجد، ورآه أحدهم فتلا قوله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَمِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ) يُعرض به. وزاد بعض الناس ميلاً إلى رأيهم فَشَلُ الحَكَمين في حكمها، وخيبة الآملين في أن يحقن التحكيم الدماء، ويُعيد المسلمين إلى الوئام، حتَّى انضم إليهم بعض القراء - من جيش علي - فلما يئست هذه الجماعة من رجوع علي إلى رأيهم اجتمعوا في منزل أحدهم، وخطب خطيبهم يقول: «أما بعد؛ ما ينبغي قوم يُؤمنون بالرّحمن، ويُنيبون إلى حكم القرآن، أن تكون هذه الدنيا … أثر عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقول بالحق، وإن مُنَّ وَضُرَّ، فَإِنَّهُ مَنْ يُمَن ويُضَرُّ في هذه الدُّنْيا فإنَّ ثوابه يوم القيامة رضوان الله عَزَّ وَجَلَّ، والخلود في جناته، فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال، أو

52