الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٥٢إلى بعض هذه المدائن، منكرين لهذه البدع المضلَّة»، ثُمَّ خرجوا إلى قرية قريبة من الكوفة تُسمى حروراء"، وسموا حين ذاك بالحورية نسبة إلى هذه القرية، وبالمحكمة - أي الذين يقولون لا حُكْم إلا الله - وهما اسمان كثيراً ما يُطلقان على الخوارج، وأمروا عليهم رجلاً اسمه "عبد الله بن وهب الراسبي. واسم الخوارج جاء من أنهم خرجوا على علي وصحبه، وإن كان منهم من يشتق اسم الخوارج من الخروج في سبيل الله، أَخْذا من قوله تعالى: {وَمَن خرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) وسموا أيضاً الشراة أي الذين باعوا أنفسهم لله، أخذاً من قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ الله). وبعد أن استفحل أمره، م وانتشر فسادهم في قَتْلَ مَنْ لا يرى رأيهم من شيعة علي بتهمة الكفر، وقد حاورهم علي، وأرسل إليهم ابن عباس لجدالهم، عسى أن يرجعوا عن خطئهم، وتمكن ابن عباس من إقناع فريق منهم بالصواب، فعادوا عن رأيهم، إلا أن الباقين بقوا مصرين على موقفهم وأفعالهم، ولم تفلح محاولات علي في إقناعهم، وردهم عن غيهم، عندها لم يجد علي بدا من وضع حد لجرائمهم التي يرتكبونها جهلاً باسم الإسلام، فحاربهم في الوقعة الشهيرة بوقعة النهروان، وهزمهم، وقتل منهم كثيراً، ولكنه لم يبذهم، ولم يبد فكرتهم، وزادت هذه الهزيمة في إمعان الخوارج في كره علي، حتَّى دبَّروا له مكيدة قتله، فَقَتَلَهُ عبد الرحمن بن ملجم الخارجي، وكان زوجاً لا مرأة قتل كثير من أفراد أسرتها في وقعة النهروان. (1)
- مأساة كربلاء، وأثرها الكبير في بلورة الشيعة كجماعة دينية متمايزة: بدأ معاوية قبيل وفاته حملة إجبار للناس في مختلف الأمصار على البيعة لابنه يزيد رغم ما كان يُعرف عن يزيد من شرب الخمر، وإهمال للصلاة، ولعب بالقيان والقرود، وغير ذلك من مظاهر اللغو والفسق والبعد عن التقوى والصلاح، وكان الكثيرون يبايعون خوفاً وكرها؛ إذ لا حيلة لهم أمام سيف الخليفة وجنده، لكن عدداً من كبار الصحابة لم يُبايع؛ ومنهم عبد الله بن عباس، والحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر،
(1) مراجع هذه الفقرة: كتاب "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين لأبي الحسن الأشعري: ج 1 / ص 4، وفجر
الإسلام لأحمد أمين.
ص
.258.256
53