الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٥٤للحسين، وأخذ البَيْعَة منه بالقوة، وعدم إعطائه أي خيار آخر سوى البيعة، وتتالى الأحداث، ويقبض عُبيد الله بن زياد على مسلم بن عقيل، ويعدمه، ثُمَّ يعترض جيش عبيد
و
الله بن زياد بقيادة عُمر بن سعد جماعة الحسين في منطقة بصحراء العراق تُسمى كربلاء، ويُصرُّ الحُسَين على موقفه برفض البيعة، ولو كلَّفه حياته، لسان حاله يقول: إن لم يستقم دين محمد إلا بقتلي فيا سيوف خُذيني، ويعرض على عُمر بن سعد ثلاث حُلُول: إِمَّا أَنْ يتركوه يرجع من حيث أتى، أو يذهب لأي ثغر من تُغُور المسلمين، فيكون رجلاً من أهله له ما لهم، وعليه ما عليهم، أو يتركوه يذهب بنفسه إلى الشام، ليرى الرأي فيما بينه وبين يزيد، وقيل إنه لم يقترح عليهم إلا أن يتركوه يذهب في بلاد الله العريضة، حتّى ينظر ما يصير إليه أمر النّاس. فأرسل عُمر بن سعد لعبيد الله بن زياد يُخبره بهذه الاقتراحات، فما كان من عبيد الله بن زياد إلا أن أجاب قائلاً: أما بعد؛ فإنِّي لم أبعثك إلى حُسَين، لتكف عنه، ولا لتطاوله ولا لتمنيه السّلامة والبقاء، ولا لتقعد له عندي شافعاً، انظر، فإن نزل حُسَين وأصحابه على الحكم، واستسلموا، فابعث بهم إلي سلماً، وإن أبوا، فازحف إليهم حتى تقتلهم، وتمثل بهم، فإنَّهم لذلك مُستحقون، فإنْ قُتل حُسَين، فأوطئ الخيلَ صَدْرَهُ وظهره، فإنه عاق مشاق، قاطع ظلوم، وليس دهري في هذا أن يضر بعد الموت شيئاً، ولكن على قول: لو قد قتلته فعلت هذا به، إن أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أبيت، فاعتزل عَمَلَنَا وجَندَنَا، وخَلّ بين شمر بن ذي الجوشن ويين العسكر، فإنا قد أمرناه بأمرنا، والسلام).
(1)
وينقل الطبري في تاريخه - أيضاً - أنَّ عبيد الله بن زياد أمر الحر بن يزيد الرياحي - أيضاً - ان يتوجه بألف من جنوده من القادسية، فيستقبل حسينا، قال: وإنَّه لم يزل الحر بن يزيد حُسَيْناً، الرياحي موافقاً حُسَيناً حتى حضرت الصلاة صلاة الظهر، فأمر الحسين الحجاج بن مسروق الجعفي أنْ يُؤذِّن، فَأَذَّنَ، فلما حضرت الإقامة، خرج الحسين في إزار ورداء ونعلين، فحمد الله، وأثنى عليه، ثُمَّ قال: «أَيُّها النّاس؛ إنَّها معذرة إلى الله عَزَّ وَجَلَّ إليكم، إِنِّي لم اتكم حتى أتتني كتبكم، وقدمت عليَّ رُسُلُكم أن أقدم علينا، فإنَّه ليس لنا إمام، لعل الله يجمعنا
(1) مقتل الحسين لأبي مخنف، ص 100 - 103.
55