الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٥٦أنني كتبكُم، وقدمت على رُسُلُكُم بيعتكُم أنكم لا تُسلموني، ولا تخذلوني، فإن تَمَمْتُم على بَيْعَتكم، تُصيبوا رشدكم، فأنا الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله، نفسي مع أنفسكم وأهلي مع أهليكم، فلكم في أسوة، وإن لم تفعلوا، ونقضتُم عهدكم، وخلعتُم بيعتي من أعناقكم، فلعمري؛ ما هي لكم بنكر، لقد فَعَلْتُمُوها بأبي وأخي وابن عمي مُسلم، والمغرور مَنْ اغتر بكم، فحظكم أخطأتُم، وتصيبكم ضَيَّعَتُم، ومَنْ نَكَثَ فَإِنَّما ينكث على نفسه، وسيغني الله عنكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» وقال عقبة بن أبي العيزار: قام حسين - عليه السلام بذي حسم، فحمد الله، وأثنى عليه، ثُمَّ قال: «إنَّه قد نزل من الأمر ما قد ترون، وإنَّ الدُّنيا قد تغيّرت، وتنكرت، وأدبر معروفها، واستمرت جداً، فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون أنّ الحق لا يُعمل به، وأن الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله مُحقَّاً، فإنِّي لا أرى الموت إلا شهادة، ولا الحياة مع الظالمين إلا برماً». قال: فقام زهير بن القين البجلي، فقال لأصحابه: تكلمون أم أتكلم؟ قالوا: لا، بل تكلم، فحمد الله، فأثنى عليه، ثم قال: قد سمعنا - هداك الله يا بن رسول الله - مقالتك، والله؛ لو كانت الدنيا لنا باقية، وكنا فيها مخلَّدين إلا أنَّ فراقها في نَصْركَ ومُواساتك لآثرنا الخروج معك على الإقامة فيها، قال: فدعا له الحسين، ثُمَّ قال له خيراً، وأقبل الحريسايره وهو يقول له: يا حُسَين؛ إِنِّي أُذكرك الله في نفسك، فإنِّي أشهد لئن قاتلت لتقتلن، ولئن قوتلت لتهلكن فيما أرى، فقال له الحسين: «أ فبالموت تخوفني؟ وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني؟! ما أدري ما أقول لك، ولكن؛ أقول كما قال أخو الأوس لابن عمه ولقيه وهو يُريد نُصرة رسول الله، فقال له: أين تذهب فإنَّك مقتول؟! فقال:
سأمضي وما بالموت عار على الفتي إذا ما نوى حقاً وجاهد مسلما وأسى الرجال الصالحين بنفسه وفارق مثبوراً يغش ويرغما (1)
وباختصار؛ وقعت الواقعة الأليمة، وبدأ القوم الأشرار برمي الحسين وأهله بأول سهم، حينئذ؛ قام الحسين ومن معه من فتية بني هاشم من آل علي يذبون عن الحسين، ووقع
(1) تاريخ الأمم والملوك للطبري: ج 4 / أحداث سنة 61، ص
.305.301
3
57