الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٥٧النزال، وانتهت المعركة غير المتكافئة باستشهاد الحسين، واثنين وسبعين من عترة النبي، وأهل بيته (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم صَرْعى وعَطشى - بعد أن منع عنهم جيش يزيد الماء - مضرجين بدمائهم على أرض كربلاء، وقطعت رؤوس الرّجال منهم، وحملت على الحراب، وسيق من بقي من النساء والولدان من آل الرسول - وفيهم زينب بنت علي - أسرى مهانين إلى قصر عبيد الله بن زياد، ومن ثم إلى يزيد في الشام، إلى آخر الأحداث المسطورة في كتب التاريخ بالتفصيل.
كان مصرع ع الحسين بن علي في كربلاء هو الحدث التاريخي الكبير، الذي أدى إلى بلورة جماعة الشيعة، وظهورها كفرقة متميزة ذات مبادئ سياسية وصبغة دينية خاصة، فكان المأساة كربلاء أثرها الأكيد في نُمُورُوح التعاطف والتشيع لآل البيت، وازدياد أنصارها، حتَّى إنَّه يُمكن القول إنَّ الحركة الشيعية الفعلية بدأ ظهورها في العاشر من محرم الحرام سنة 60 للهجرة. فقد ظهرت جماعة الشيعة بعد مقتل الحسين كجماعة منظمة، تربطها روابط سياسية وآراء دينية، لها اجتماعاتها وزعماؤها، ثُمَّ لها قواتها العسكرية، وكانت جماعة التوابين () أول مظهر لذلك كله، فيقول المسعودي:
(2)
«وفي سنة خمس وستين؛ تحركت الشيعة بالكوفة، وتلاقت بالتلاوم والتنادم حين قتل الحسين، فلم يُغيثوه، ورأوا أنَّهم قد أخطؤوا خطأ كبيراً بدعاء الحسين إيَّاهم، ولم يُجيبوه، والمقتله إلى جانبهم، فلم ينصروه، ورأوا أنهم لا يغسل عنهم ذلك الجُرم الأَقَتْلِ مَنْ قَتَلَهُ، أو القتل فيه، ففزعوا إلى خمسة نفر منهم: سليمان بن صرد الخزاعي، والمسيب بن نجبة الفزاري، وعبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي، وعبد الله بن وال التميمي، ورفاعة بن شداد البجلي، فعسكروا بالنّخيلة». ويصف الطبري (3) تبلور الشيعة بعد مصرع الحسين في جماعة التوابين فيقول: «فلم يزل القوم في جمع آلة الحرب والاستعدادات للقتال ودعاء النّاس في السر من الشيعة وغيرها
(1) كان التوابون يستشهدون دائماً بقوله سبحانه وتعالى: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِيكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ
عِندَ بَارِيكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).
ص
. 101 - 100
(2) المسعودي: مُروج الذهب ج 3 /. (3) الطبري: تاريخ الأمم والملوك: ج 7 / ص 46.
58