الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٥٩(1) لم يعد الخليفة قريباً من عامة الناس ومستضعفيهم، بل صار بعيداً عنهم، يسكن القُصور، ويتَّخذ الحجاب، ويبذخ في صَرْف الأموال على المظاهر والبطانة والأتباع. . (2) لم يعد الأساس في تولية المناصب الأمانة والكفاءة، بغض النظر عن قبيلة ونَسَب الشخص، بل صار الحكم أُسرياً قبائلياً خاصاً بالخليفة وعشيرته وأسرته من بني أُمية ومَنْ والاهم.
(3) ولم يعد هناك تقبل الحُرِّيَّة وُجُود المعارضين أو المخالفين السياسيين ولو كانوا غير محاربين، بل بدأت الجواسيس والاعتقالات على الظَّنِّ، واستبيحت أعراض وأموال ودماء المعارضين، بل بدأت الإعدامات السياسية لأول مرة في تاريخ الإسلام، كما حدث لحجر بن عدي الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي وأصحابهما من شيعة علي بن أبي طالب الذين كانوا إذا سمعوا المغيرة بن شعبة وغيره من أصحاب معاوية وهم يلعنون علياً على المنبر في الكوفة يقومون فيردون اللَّعْنَ عليهم، ويتكلمون في ذلك، فلما قدم زياد بن أبيه الكوفة خطب خطبة له مشهورة لم يحمد الله فيها، ولم يُصلّ على محمد، وأرعد فيها، وأبرق، وتوعد، وتهدد .. ثُمَّ بلغه أنَّ حجر بن عدي وأصحابه يجتمعون فيتكلمون، ويُدبرون عليه وعلى معاوية، ويذكرون مساويهما، ويُحرضون النّاس، فوجه صاحب شرطه إليهم، فأخذ جماعة منهم فقتلوا، وهرب عمرو بن الحمق الخزاعي إلى الموصل وعدة معه، وأخذ زياد بن أبيه حجر بن عدي الكندي وثلاثة عشر رجلاً من أصحابه، فأشخصهم إلى معاوية، فَكَتَبَ فيهم أنهم خالفوا الجماعة في لعن أبي تُراب، وزروا على الولاة، فخرجوا بذلك من الطاعة! فلما صاروا بمرج عذراء من دمشق على أميال، أمر معاوية بإيقافهم هناك، ثُمَّ وجَّه إليه مَنْ يضرب أعناقهم، وكانوا أول جماعة يُقتلون صبراً (أي إعداما) في الإسلام. (4) ولم يعد بيت المال ملك الأُمة، بل أصبح ملكاً للخليفة، يتصرف به كيفما شاء،
ويرشي منه من يشاء، ليقربه، ويحرم من يشاء ممن يُخالفه.
(5) وحل التعصب للجنس العربي مكان المساواة بين العرب والموالي من الأعاجم تمن دخل في الإسلام، وتمتع بالمساواة الكاملة مع سائر المسلمين زمن علي بن أبي طالب …
60