الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٦٠(6) والأهم من ذلك والأخطر منه رؤية الحسين لا بتداع الطريقة الوراثية الكروية والقَيْصَريَّة في الحكم لأول مرة في الإسلام، فالملك يهلك، ليخلفه ابنه، رغماً عن الأُمة، سواء رضيت بذلك أم لم ترض، فكان هذا أول إلغاء لمبدأ الشورى والبيعة بالرضى والاختيار، فإمرة يزيد لم تكن برضا الأُمة الحقيقي واختيارها، بل مهدها له أباه بالمال والخداع والقوة والقهر.
(7) أضف إلى ذلك ما كان يراه الحسين من عَدَم أهليَّة مثل يزيد لهذا المنصب الديني الخطير، وأنه لو تولاها أمثال يزيد لما يقي لشريعة جده المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) من هيبة ولا أثر في النفوس، ولا نمحت قوانينها العادلة من صحيفة الشرائع الإلهية تدريجياً، لذلك؛ رفض الحسين رَفْضاً قاطعاً أن يُبايع شخصاً مثل يزيد بخلافة رسول الله في قيادة أُمة الإسلام، وكان يعلم أنَّ هذا الرفض قد يكلّفه رأسه، وكان مستعداً لهذا البذل في سبيل العقيدة والدين.
وثمة نقطة يجدر التنبيه إليها كتفسير لشدة إصرار الإمام الحسين على رفض البيعة ليزيد ورفض حكومته، وهي أنَّه في ظل دولة يقوم نظامها السياسي على أُسس دينيَّة لا تُعَدُّ البَيْعَة أو انتخاب الحاكم مُجرَّد عَمَلِ سياسي، بل عملاً من صميم الدين، ففي إقدام الحسين على بيعة يزيد انحراف عن أصل من أُصول الدين من حيث إِنَّ السّياسة الدينية للمسلمين لا ترى في ولاية العهد ووراثة الملك إلا بدعة هرقليَّة دخيلة على الإسلام، ومن حيث إن تأييد تبدل الخلافة الراشدة للملك العضوض، وما جرَّه ذلك من المظالم والجور والانحرافات التي أشرنا لبعضها أعلاه، وإعطاء الشرعية لها بالبيعة يُعَدُّ خيانة لتعاليم الإسلام، ومن حيث إن اختيار شخص يزيد مع ما عُرف عنه من سوء السيرة وميله إلى اللهو وشرب الخمر ومنادمة القُرُود، ليتولى منصب الخلافة عن رسول الله أكبر رزء يحلُّ بالنظام السياسي للإسلام يتحمل وزره كُلُّ
من شارك فيه، ورضي عنه، فما بالك إذا كان المقدم على ذلك هو ابن بنت رسول الله؟!
كان خروج الحسين - إذن - أمراً يتصل بالدعوة والعقيدة أكثر مما يتصل بالسياسة والحرب، ولقد أراد الحسين أن يُصلح كثيراً من مسائل العقيدة، بعد أن اختلت الموازين أثناء خلافة معاوية، ذلك أن معاوية لم يكن يدعم مُلْكَهُ بالقُوَّة فحسب، ولكن؛ بأيديولوجية
61