الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٦١(1) 1
تمس العقيدة في الصميم، فلقد كان يُعلن في النّاس أنَّ الخلافة بينه وبين علي قد احتكم فيها إلى الله، وقضى الله له على علي) وكذلك؛ حين أراد أن يطلب البيعة لابنه يزيد من أهل الحجاز أعلن أنَّ اختيار يزيد للخلافة كان قضاء للقضاء، وليس للعبادة خيرة في أمرهم، وهكذا؛ كاد يستقر في أذهان المسلمين أنَّ كُلَّ ما يعمل به الخليفة حتّى لو كانت طاعة الله في خلافه، قضاء من الله قد قدر على العباد!
ولقد كان معاوية يُعلن - أثناء ولايته في عهد عُثمان - أنَّ المال مال الله، لا مال المسلمين، لِيَحْتَجِنَ هذه الأموال، ويحتجزها لنفسه، كما كان يستند في إقامة ملكه إلى أيديولوجيَّةً مُستمدة من نظرية التفويض الإلهي، والحق الديني للملوك، وكان في ذلك تشويه - أي تشويه - للسياسة الشرعيَّة للمسلمين من حيث أراد أن يستغل الدين من أجل الملك، ويخضع العقائد لأهواء الحاكم، فكان في خُرُوج الحسين بما يحمله من صفة دينية بوصفه سبط الرسول، إفساد لكل الخطط الأيديولوجية التي أرسى معاوية قواعدها طوال أربعين سنة أقامها والياً، ثُمَّ خليفة. ولقد اختلف المسلمون في الحكم على حروب علي، وموقف مقاتليه، وحاول كثير من جمهور المسلمين موالاة الفريقين المتحاريين معاً، ولكن عند خُرُوج الحَسَن ومقتله، أصبحت هذه المحاولة التوفيقية متعذرة تماماً، وكان في استشهاد الحسين ما أدان الدولة الأموية، وأصبح الأمويون في نظر المسلمين طغاة مُستبدين؛ لانتهاكهم قوانين الإسلام وشرائعه، وامتهانهم لمثله العليا (3).
وعن نتائج هذا الخروج وآثار استشهاده فيه يقول الدكتور أحمد محمود صبحي: «ومن الناحية السياسية، وإذا كانت بواعث الحسين لم يُفصح عنها حين غادر المدينة، وقد ألح عليه كبار أهل الحجاز في عدم خُرُوجه، وحين أصر على الخروج إلى اليمن، رغم أنَّ فيها شيعته، وحين رفض أن يخرج تاركاً أهله، فإنَّ هذه البواعث قد أفصحت كلها عن نفسها بعد أن تمت المأساة. فكأنَّ الحُسَين قد اختار منيته - التي شعر أنه لابد واقعة ـ التي تدين الأمويين، ولا تجعل لهم أدنى حُجَّة من الدين الذي يُفترض عليهم أن يُراعوا أحكامه،
(1) ابن قتيبة: الإمامة والسياسة: 297/ 1 (2) الدكتور أحمد محمود صبحي: نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية: ص 333 - 355 (القاهرة: دار المعارف بمصر، 1969 م.)، نقلاً عن الدكتور حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام السياسي: 1/ 422.
62