الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٦٥وقد نشأت المرجئة لما رأت الخوارج يُكَفِّرون عليا وعثمان والقائلين بالتحكيم! ورأت من الشيعة مَن يُكَفِّر أبا بكر وعمر وعثمان ومن ناصرهم! وكلاهما يُكَفِّر الأموين، ويلعنهم، والأمويون يقاتلونهم، ويرون أنهم مبطلون، وكُلُّ طائفة تدعى أنَّها على الحقِّ، وأنها وحدها على الحقِّ، وأنَّ مَن عداها كافر، وفي ضلال مبين، فظهرت فكرة المرجئة الذين يسالمون الجميع، ولا يكفرون طائفة منهم، ويقولون إنَّ كُلَّ الفرق الثلاث: الخوارج والشيعة والأُمويين، مؤمنون، وبعضهم مخطئ، وبعضهم مُصيب، ولسنا نستطيع أن تُعين المصيب، فلنترك أمرهم جميعاً إلى الله، ومن هؤلاء بنو أمية فهم يشهدون أنْ لا إله إلا الله، وأَنَّ محمداً رسول الله، فليسوا - إذا كفَّاراً، ولا مُشركين، بل مسلمين، تُرجى أمرهم إلى الله الذي يعرف سرائر الناس، ويُحاسبهم عليها. وينتج من هذا أنَّ موقفهم إزاء حكم الأمويين موقف تأييد، ولكنه تأييد سلبي لا إيجابي، فليسوا ينحازون إليهم، ويحملون سيوفهم، يُقاتلون في جيوشهم، ولكن؛ هُم إزاء الأمويين مثلهم إزاء الشيعة والخوارج، وهم - على ما يظهر - يرون حكومة الأمويين حكومة شرعية، وكفى ذلك تأييداً.
والواقع أن نواة هذه الطائفة كانت بين الصحابة في الصدر الأول، فإنَّا نرى أن جماعة من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم امتنعوا أن يدخلوا في النزاع الذي كان في آخر عهد عثمان، مثل أبي بَكْرَةَ، وعبد الله بن عمر، وعُمران بن الحصين. وروى أبو بكرة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «ستكون فتن، القاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي إليها، ألا فإذا نزلت أو وقعت، فَمَنْ كان له إيل فليلحق بابله، ومَن كان له غنم فليلحق بغنمه، ومَن كان له أرض فليلحق بأرضه، قال: فقال رجل: يا رسول الله؛ مَنْ لم تكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثُمَّ لينج، إن استطاع النّجاة».
هذه النزعة إلى عدم الدُّخُول في الحروب التي بين المسلمين بعضهم وبعض هي الأساس الذي بني عليه مذهب الإرجاء)، ولكنه لم يتمكن كمذهب ـ كما رأينا - إلا بعد ظهور الخوارج والشيعة.
(1) يقول النووي في شرحه على صحيح مسلم: إنَّ القضايا (يُريد قضايا الفتن التي كانت بين الصحابة) كانت مشتبهة، حتى إن جماعة من الصحابة تحيروا فيها، فاعتزلوا الطائفتين، ولم يقاتلوا، ولم يتيقنوا الصواب، إلخ.
66