الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٧٢علي له عن الخلافة، في العام الذي سُمِّي بعام الجماعة، ثُمَّ اشتهر هذا التيار العام منذ بداية القرن الهجري الثاني، لدى قيام الدولة العباسيَّة، باسم أهل السنة والجماعة، واستمر الاسم إلى اليوم. ومع مرور الزمن وظهور وتبلور آراء المذاهب الأخرى سواء الشيعية أو الخوارجيَّة، ثمَّ كذلك بلورة الأُصول الجامعة لأهل السنة والجماعة التي تُميّزهم من غيرهم من الفرق التي أصبحت تعتبر في نظر الجماعة، وفي نظر الدولة الأموية من أهل الأهواء والبدع، وهي الأُصول التي تُحدد موقف أهل السنة من الآراء التي كانت تطرحها تلك المذاهب، أو غيرها من الفرق، وقد لخص الإمام أبو الحسن الأشعري - أحد أبرز المنظرين الفكرتين لمذهب أهل السنة - الأصول الجامعة لأهل السنة في قائمة مُفصَّلة، سنذكرها بعد قليل عند بيان البنيان العقائدي أو المذهب الكلامي لأهل السنة والجماعة.
الاختلاف في الفهم خصيصةً أصيلة من خصائص البشر:
ولكن هذا لا يعني أنه لم تحصل - بين أهل السنة أنفسهم - اختلافات في الرأي، سواء على مستوى الأصول؛ أي العقائد، أو على مستوى الفُرُوع؛ أي الأحكام الفقهية، بل إني زعيم بأنَّ التوافق في كُلِّ الجزئيات والتفسيرات والاستنباطات للفروع والأحكام أمر محال، كيف، والاختلاف في الفهم والرأي والنظر خصيصةً أصيلة من خصائص البشر، لا يمكنهم اجتنابها، ولا انفكاك لهم عنها، وبالتالي؛ فمادام المسلمون بشراً، فمن الطبيعي جداً أن لا يجتمعوا في فهمهم لتفاصيل تعاليم الإسلام على رأي واحد في أُصول الدين وفروعه، أو في قضايا الإسلام السياسية والاجتماعية والتاريخية. بل من الطبيعي جداً أن تختلف أفهامهم، وتتنوع فتاواهم وتفسيراتهم لتعاليم الدين وعقائده وأحكامه، فطبيعة البشر من ناحية، وطبيعة اللغة التي نزلت، ودونت بها مصادر التعاليم الدينية نفسها، أعني القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة من ناحية ثانية، وكيفية تناقل ووصول تلك النصوص للأجيال اللاحقة من علماء الإسلام من ناحية ثالثة، وطبيعة الحياة الاجتماعية والسياسية والتوزع الجغرافي والخلفيات الثقافية في كُلِّ مُجتمع من المجتمعات التي انتشر فيها الإسلام من ناحية
74