الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٧٣رابعة، كُلُّها تُؤدي بالضرورة - لآراء مختلفة ومشارب متنوعة في استنباط تفاصيل الدين
والفروع الجزئية فيه.
فأولاً، تحتمل عديد من ألفاظ آيات القرآن الكريم أكثر من تفسير، ومثلها كثير من أقوال النبي (صلى الله عليه وآله وسلَّم ومواقفه، كما أنَّ هناك سبباً مهما آخر للاختلاف في فهم السنة النبوية غير الناحية اللُّغويَّة، وهو الاختلاف في درجة الثقة بما نقل عبر سلسلة من الرواة من سنن وسيرة وأحوال النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبما وصل إلى مُسلمي العصور الأولى من أحداث السيرة والتاريخ الإسلامي، فهناك اختلاف في الثقة في الرواة، وهناك اختلاف بين الرواة أنفسهم؛ إذ كثيراً ما تختلف تقولهم، أو تتضارب. وحتّى عندما يتوحد النَّص، أو الواقعة المنقولة، فإنَّ الاختلاف في فهمها من طبيعة البشر الأساسية،
فهناك أناس يفهمون الكلام فَهُمَا سَطْحياً جامداً، يتوقفون عنده، ولا يمكنهم الغوص أكثر من ذلك، في حين أنَّ هناك آخرون حباهم الله - تعالى - بذكاء أحد، وإحساس مرهف، وقدرة أكبر على استشراف ما هو أعمق من الظاهر، كما أنَّ هناك مَنْ يرى أنَّ المراد هُو حَرْفَيَّة النَّص، وهناك مَنْ يرى أنَّ المراد هو روح النَّص ومقصده، لا حَرْفِيَّته بالضرورة، ثُمَّ هُناك مَنْ يغلب عليهم المشرب العقلاني في التعامل مع النُّصوص، وآخرون يغلب عليهم المشرب الوجداني، وغيرهم يغلب عليهم المشرب العملي، ولابد أن ينعكس ذلك ـ بنحو أو بآخر - على طريقة فهمهم للدين، وتعاملهم مع نُصُوصه وتعاليمه. هذا؛ بالإضافة للأثر المعروف للعوامل السياسية والاجتماعية والجغرافية في إيجاد تصورات مختلفة وآراء ومواقف متفاوتة. لذا؛ فإنَّ ظاهرة وُجُود مدارس ومذاهب فكرية وفقهيَّة مختلفة في الإسلام ظاهرة طبيعية لا يمكن اجتنابها، وهذه الظاهرة لم يسلم منها أي دين، بل شملت جميع أديان الإنسان قبل الإسلام؛ سواء منها الأديان السماوية الإبراهيمية: اليهودية، والمسيحية، أو الأديان العالمية الأخرى؛ كالهندوسيَّة، والبوذيَّة، وغيرها.
وقد انعكس ذلك كله - في البداية - في ظهور مدارس عقائدية متعددة بين أهل السنة، كالمرجئة، والصفاتية، والجُهَميَّة، والمشبهة، والقَدَريَّة … إلخ، ثُمَّ ذابت تلك الأفكار
75