الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٧٥وجر هذا الخلاف إلى البحث في حقيقة الإيمان: ما هو الإيمان؟ وما هي عناصره؟ هل هو مجرد التصديق القلبي أم تدخل فيه الأعمال من إتيان الفرائض وترك الكبائر؟. . . وكان من الطبيعي أن تُطرح هذه الأسئلة أمام العقل المسلم، نظراً للحروب الأهلية التي وقعت بين المسلمين، وقسمتهم فرقاً وأحزاباً سياسية يُكَفِّر بعضها الآخر، بل استباح بعضها ـ كالخوارج - دماء مخالفيهم، وحكموا بأنَّهم كُفَّار مُخلَّدون في النار، وقالوا: إن مرتكب الكبيرة يخرج عن الإسلام، فكان من الطبيعي أن تُطرح تلك القضايا على بساط البحث في تلك الفترة. . كما يدلنا تاريخ الفكر البشري على أنَّ من أُولى المسائل التي تعرض - أيضاً - للعقل،
،
عندما يُفكر في الأُمور الدينية بعمق، مسألة الجبر والاختيار: هل إرادتنا تعمل ما تشاء، وتترك ما تشاء، وتُشكل عملها، أم أنَّا مُجبرون على ما نعمل، فلا نستطيع أن نعمل غيره! وأنَّ إرادتنا معلولة بعلل، فإذا حصلت العلل حصل المعلول لا محالة؟ وهي مسألة شغلت الفلاسفة وعلماء الدين جميعاً في العصور المختلفة، تعترضك في الأخلاق، وفي الدين، وفي فلسفة التاريخ وفي علم الكلام، وفي الفلسفة على العموم. وقد نشأت الأبحاث الدينية في هذا الموضوع لما نظر الإنسان فرأى أنه ـ من ناحية - يشعر بأنَّه حُر الإرادة يعمل ما يشاء، وأنَّه مسؤول عن عمله، وهذه المسؤولية تقتضي الحرية، فلا معنى لأن يُعذب، ويُتاب، إذا كان كالريشة في مهب الريح، لابد أن تتحرك بحركته، وتسكن بسكونه. ومن ناحية أخرى؛ رأى أنَّ اللهَ عالم بكُلِّ شيء أحاط علمه بما كان، وما سيكون، وعلم ما سيصدر عن كُل فرد من خير أو شر، وظن أنَّ هذا يستلزم - حتماً - أنَّه لا يستطيع أن يعمل إلا على وفق ما عَلِمَ الله، فَحَارَ في ذلك بين الجبر والاختيار، وأخذ يُفكّر: هل هو مُجَبَر أو مُختار؟!
وقد وردت آيات في القرآن قد تُشعر بالخبر مثل: وخَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) البقرة/ 7، وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِيَ إِنْ أَرَدتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) هود / 34، (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ) الزمر / 19 {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّعُونَ فَمِنْهُم مِّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مِّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَهُ) النحل / 36. وهناك آيات تُشعر بالاختيار، وأنَّ الإنسان مسؤول عن عمله: {إِنَّا هَدَيْنَهُ
77