الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٧٦السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) الإنسان / 3، {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصُنكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) الأنعام / 153، فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ الكهف / 29 {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا وَمَن يَكْسِبُ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حكِيمًا) النساء/ 110 - 111، إلى كثير من أمثال هذه الروايات؛ وَوَرَدَتْ أحاديث كثيرة - إن صحت - تدل على تعرضه - عليه السلام - لمسألة القدر تصريحاً وتلميحاً، فعن جابر بن عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم: إلا يُؤمن عبد حَتَّى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ؛ خيره
(1)
وشره، حتّى يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليُصبَهُ]). وعن
عبد الله بن حبيب أبي عبد الرحمن السلمي عن علي ـ عليه السّلام ـ قال: [كُنَّا في جنازة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ببقيع الغرقد، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس ومعه مخصرة (عصا خفيفة)، فجعل ينكت بالمخصرة في الأرض، ثُمَّ رفع رأسه فقال: ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة، إلا قد كَتَبَ الله مكانها من النار أو [من] الجنَّة، والأ قد كُتبت شقية أو سعيدة، قال: فقال رجل من القوم: يا نبي الله، أفلا تمكث على كتابنا، وندع العمل، فَمَن كان من أهل السعادة ليكونن إلى السعادة، ومَنْ كان منَّا من أهل الشقوة ليكونن إلى الشقوة؟ قال: اعملوا، فكل ميسر لما خلق له: أما أهل السعادة؛ فيُسرون للسعادة، وأما أهل الشقوة؛ فيسرون للشقوة، ثُمَّ قرأ نبي الله: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ عَجَلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِرُهُ لِلْعُسْرَى) الليل/ 5 - 10.] (2)
فلما هدأت حركة الفتوحات، والتفت المسلمون إلى التفكير والتعمق في قضايا الدين ظهرت هذه المسألة، وكان قد تكلم فيها من قبل فلاسفة اليونان، ونَقَلَها عنهم السريانيون، كما بحث فيها النصارى. فظهر في الإسلام قوم يقولون بحرية الإرادة، مُعارضين - في ذلك.
(1) سنن الترمذي: ج 3/ كتاب الإيمان، باب مَا جَاءَ أَنَّ الإِيمانَ بالقَدَرِ خَبِرهِ وشَرِّهِ، ح 2231، وقال الترمذي عنه: وفي الباب عن عبادة وجابرٍ وعبد الله بن عمرو. هذا حديث غريب من حديث جابر لا نعرفه إلا من حديث عبد الله ابن ميمون، وعبد الله بن ميمون منكر الحديث.
(2) سنن أبي داود: باب في القدر، ج 3 / حديث رقم 4694.
78