الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٧٧الفكرة الشائعة بأنَّ الإنسان مُسيَّر، لا مُخيَّر، روى الترمذي في جامعه (أي سنته) بسنده عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر قال: [أول مَنْ تكلَّم في القدر معبد الجهني قال: خرجت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حتّى أتينا المدينة، فقلنا: لو لقينا رجلاً من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلّم - فسألناه عما أحدث هؤلاء القوم، فلقيناه - يعني عبد الله بن عُمر ـ وهو خارج من المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، فَظَنَنتُ أنَّ صاحبي سيكل الكلام إليَّ، فقلت: يا عبد الرحمن؛ إنَّ قوماً يقرؤون القرآن، ويتقفّرون العلم، ويزعمون أنْ لا قَدَرَ، أَنَّ الأمر أنف، قال: فإذا لقيت أُولئك فأخبرهم أني منهم بريء، وأنهم مني براء، والذي يحلف به عبد الله، لو أنَّ أحدهم أنفق مثل أحد ذهباً ما قبل ذلك منه حتَّى يُؤمن بالقدر خيره وشره. قال: ثُمَّ انشأ يُحدث، قال: قال عمر بن الخطاب: كُنَّا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاءه رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فألزق ركبته بركبته، ثُمَّ قال: يا محمد؛ ما الإيمان؟ قال: أن تُؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، .. إلى آخر الحديث، وفي آخره أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
قال لعمر: يا عُمر! هل تدري من السائل؟ ذاك جبرائيل أتاكم يعلمكم أمر دينكم. . . وقد سمي هؤلاء الذين يقولون بأن الإنسان حر الإرادة باسم القَدَرِيَّةِ؛ إما لقولهم بقدرة الإنسان على إيجاد أفعاله، أو أنّهاماً لهم بأن قولهم هذا يُؤدِّي لإنكار قَدَرِ الله - تعالى - السابق المحتوم، في حين كان يرى أصحاب حُريَّة الإرادة أن أولى الناس بأن يُطلق عليه اسم القَدَريَّة هُم الذين يقولون بأنَّ القدر يحكم جميع أعمال الإنسان، ويُحتمها عليه؛ خيراً كانت أو شَراً، وعلى كُلِّ حال؛ فقد لصق الاسم بالطائفة الأولى، وصار لقباً لها.
معبد؛
وقد ذكروا أن من أسبق الناس قولاً بالقدر معبد الجُهَنِي، وَغَيْلَانَ الدَّمَشْقِي أَمَّا؛ فقد قال عنه الذهبي في ميزان الاعتدال: «إنَّه تابعي صدوق، لكنه سن سنة سيئة، فكان أوَّل مَنْ تكلم في القَدَر، وقتله الحجاج صَبراً؛ لخروجه مع ابن الأشعث». فترى - من هذا ـ أن قتله كان قَتْلاً سياسياً، وإن كان كثير يدعون أنَّه قَتَلَهُ لزندقته، وكان يُجالس الحَسَن
(1) سنن الترمذي: كتاب الإيمان / باب ما جاء في وصف جبرائيل للنبي صلى الله عليه وسلم الإيمان والإسلام.
79